مصدر خاص لـ “الوطن”: رفع العقوبات الأوربية عن وزارتي الدفاع والداخلية وليس عن الوزيرين كما نُشر في وسائل الإعلام

إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع لـ “الوطن”: استشهاد اثنين من جنود الجيش العربي السوري وإصابة عدد آخر، جراء استهداف غادر من قبل مجهولين لباص مبيت غرب صوامع العالية بريف الحسكة

الرئيس أحمد الشرع بحث في قصر الشعب بدمشق مع رئيس مجلس الوزراء اللبناني نواف سلام سبل تعزيز العلاقات الثنائية وتطوير التعاون الاقتصادي والتجاري

مصدر أمني: القبض على جلال عبد الحميد المالح الملقلب بالطحان والمتورط بقتل ملازم منشق وتسليم قيادي من حركة أحرار الشام

وزير الاتصالات وتقانة المعلومات عبد السلام هيكل: التعاون مع “فيزا” و”ماستر كارد” يعزز تطوير البنية المالية الرقمية وفق المعايير العالمية

‏الرئيس أحمد الشرع يستقبل رئيس الحكومة اللبناني نواف سلام بقصر الشعب في دمشق

وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني يفتتح القنصلية العامة لسوريا في جدة بحضور وفد رسمي من وزارة الخارجية السعودية

المزيد

‫آخر الأخبار:‬

بين الناصح والمهوّل والمتلون.. قراءة في مشهد الخطاب السوري

‫شارك على:‬
20

في كل مرحلة تمرّ بها الأوطان بعد الأزمات الكبرى، يكثر الكلام، وتكثر التحليلات، وتختلط النيات بالأهواء، ويصبح لكل إنسان منبره الذي يتحدث منه، خاصة في زمن أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي ساحةً مفتوحة للكلمة والتأثير وتوجيه الرأي العام.

وقبل الخوض في تفاصيل هذا المشهد، أود أن أوضح أمراً مهماً حتى لا يُفهم الكلام في غير موضعه؛ فأنا هنا لا أتحدث عن إعلام النظام السابق وأذرعه وأدواته المعروفة، فهؤلاء أمرهم واضح، واتجاههم معروف، وما يريدونه لا يخفى على أحد، وإنما أتحدث عن فئات موجودة داخل المجتمع نفسه، تتفاوت في الطرح والمقاصد والأساليب. والمتأمل بهدوء في طبيعة الخطاب المتداول اليوم عبر وسائل التواصل يلحظ أن الأصوات الحاضرة في الساحة – على اختلاف اتجاهاتها – يمكن تصنيفها إجمالاً إلى ثلاث فئات رئيسية، لكل فئة طريقتها في الطرح، وأسلوبها في التأثير، وأثرها المختلف في تشكيل وعي الناس ونظرتهم إلى الواقع.

الفئة الأولى هي الفئة التي أراها الأقرب إلى الصدق والإصلاح، وهي فئة من الناس وضعت يدها على بعض مواطن الخلل والفساد والأخطاء الإدارية الموجودة، فتحدثت عنها بوضوح، لكن بروح المسؤولية لا بروح الهدم، وبنية الإصلاح لا بنية التشفي أو إثارة الفوضى.

هؤلاء يدركون أن أي دولة خارجة من أزمات وتحولات كبرى لا يمكن أن تصبح مثالية بين ليلة وضحاها، وأن طريق البناء طويل ومتعب، لكن ذلك لا يمنع من كشف الأخطاء والتنبيه عليها وتقديم الحلول والمقترحات. وهذا اللون من النقد هو النقد الذي تحتاجه الأوطان فعلاً، لأنه نقد نابع من الحرص، لا من الكراهية، ومن الرغبة في التطوير، لا من حب الإرباك.

وقد قال الله تعالى على لسان نبيه شعيب عليه السلام:

﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم:

«الدين النصيحة».

فالنصيحة الصادقة ليست خيانة، وكشف الخلل ليس عداءً، بل قد يكون من أعظم صور الحب للوطن والخوف عليه، إذا كان بميزان الحكمة والعدل والإنصاف.

أما الفئة الثانية، فهي فئة لا ترى إلا الجانب المظلم من الصورة، ولا تتحدث إلا بلغة التهويل والتضخيم والسلبية. تجد أحدهم لو وقع خطأ صغير جعله وكأنه نهاية العالم، ولو حدث أمر إيجابي تجاهله تماماً، وكأن عينه لا تقع إلا على مواضع السواد، كما قيل قديماً: “عين الذباب لا تقع إلا على الجرح”.

وهؤلاء مع الأسف لا يقدمون حلولاً، ولا يصنعون وعياً، بل كثير من خطابهم قائم على تضخيم الأخطاء، وإشاعة الإحباط، وتقليب الناس، وبث الشعور بأن كل شيء فاسد ولا أمل في شيء. وأنا أقول لهؤلاء بكل محبة وصدق: اتقوا الله في أوطانكم وفي الناس، فإن كنتم تحبون البلد حقاً، فحب الوطن لا يكون بتحطيم النفوس، ولا بزرع اليأس، ولا بتحويل المجتمع إلى حالة من الإحباط الدائم.

النقد مطلوب بلا شك، لكنْ هناك فرق كبير بين النقد الذي يبني، والنقد الذي يهدم، وبين من يبحث عن العلاج، ومن يبحث فقط عن إثارة الضجيج.

قال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾،

وقال سبحانه:

﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾.

فالكلمة أمانة، ولاسيما في الظروف الحساسة التي تمر بها الشعوب، حيث قد تبني كلمة أملاً، وقد تهدم كلمة ثقةً واستقراراً.

أما الفئة الثالثة، فهي الأخطر في نظري، لأنها لا تأتيك بوجه واضح، بل تتحدث أحياناً بلغة ناعمة، وتظهر الحرص والمحبة والغيرة على البلد، لكنك إذا تأملت في مضمون الكلام وجدت فيه سماً مغلفاً بالعسل، وتشكيكاً يلبس ثوب الحكمة، وطعناً يأتي بطريقة ملتوية وهادئة.

قد يقرأ الإنسان لبعضهم فيظن لأول وهلة أنهم يريدون الخير فعلاً، لكن مع التكرار يتبين أن كثيراً من الطرح ليس هدفه الإصلاح، وإنما زعزعة الثقة، وإرباك الناس، وإثارة الشكوك بطريقة ذكية وخفية. وهذا اللون من الخطاب أخطر أحياناً من الخطاب الصريح؛ لأن الناس قد تنتبه لصاحب الصراخ والتهويل، لكنها قد تنخدع بمن يتحدث بلغة هادئة وكلمات منمقة.

ولذلك حذّر القرآن الكريم من هذا المسلك حين قال سبحانه:

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ۝ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَا يَشْعُرُونَ﴾.

إن سورية اليوم تحتاج إلى العقلاء، وإلى الكلمة الصادقة، وإلى النقد المسؤول، كما تحتاج في الوقت نفسه إلى زرع الأمل وعدم الانجرار وراء خطاب اليأس أو خطاب التشكيك المغلف بالشعارات الجميلة.

فالأوطان لا تُبنى بالصراخ، ولا بالشماتة، ولا بالمزايدات، وإنما تُبنى بالعمل والصبر والوعي والإخلاص، وبالقدرة على التفريق بين من يريد الإصلاح حقاً، ومن يريد فقط أن يربك الناس ويزعزع ثقتهم بكل شيء.

والله نسأل أن يحفظ سورية وأهلها، وأن يرزق الجميع الصدق والإخلاص والحكمة، وأن يجعل كلماتنا مفاتيح للخير والبناء، لا أبواباً للفتنة والإحباط والفرقة.