في السياسة، كما في الزراعة، لا يُقاس الحصاد بعدد المواسم العجاف، بل بقدرة الأرض على استعادة خصوبتها بعد القحط، وسوريا، التي عبرت خمسة عشر عاماً من النار والعقوبات والعزلة، تبدو اليوم كفلاح عنيد يعرف أن “الأرض التي شربت العرق وارتوت بالتضحيات لا تخون أصحابها”، لهذا تبدو التحركات الدبلوماسية السورية في بروكسل أقرب إلى انتقال هادئ نحو زمن صناعة الفرص الاستراتيجية وإدارتها.
وما جرى في منتدى تنسيق الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وسوريا لا يمكن اختزاله في بيانات دبلوماسية مألوفة تُتلى في القاعات ثم تُطوى صفحاتها، فنحن اليوم أمام تحول أعمق في طريقة تفكير العواصم الكبرى تجاه دمشق، والدبلوماسية الدولية -كما علمنا التاريخ- تدار بميزان المصالح الصارم الذي لا يعرف المجاملة.
والجديد هنا أن سوريا بدأت تُعاد قراءتها بوصفها حلقة وصل محتملة في هندسة إقليمية أوسع، قادرة على إعادة تنظيم تدفقات الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد بين الخليج العربي وأوروبا وآسيا، ما يمنحها فرصة جغرافية واستراتيجية قابلة لإدارة خرائط الاقتصاد العالمي.

وبالمقابل، تدرك الدبلوماسية السورية الجديدة هذه الحقيقة جيداً، ولذلك جاءت لغة وزير الخارجية أسعد الشيباني مختلفة عن أدبيات الاستجداء التي كثيراً ما سادت في دول مأزومة، حيث تحدث الوزير بلغة الشريك لا التابع، واضعاً قاعدة واضحة: “المنفعة المتبادلة”، وهي عبارة تختصر فلسفة المرحلة كلها: دمشق لا تطلب صدقات سياسية، بل تعرض موقعاً جغرافياً نادراً، وسوقاً واعدة، واستقراراً إقليمياً تحتاجه أوروبا كما يحتاجه الآخرون.
وفي عالم السياسة يقال: “لا تغلق باباً يأتيك منه الريح إن كان فيه قمح، ففي بعض الريح خير لا يُترك”، وأوروبا اليوم ترى أن الرياح القادمة من دمشق لم تعد رياح حرب وفوضى، بل تحمل معها فرص إعادة تشكيل الشراكة المتوسطية، وخصوصاً في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها طرق التجارة العالمية بعد اضطرابات البحر الأحمر والحرب الأوكرانية وتبدل خرائط الطاقة.
من هنا يمكن فهم إعادة تفعيل اتفاقية التعاون السورية الأوروبية الموقعة عام 1978، والحديث الأوروبي المتزايد عن رفع العقوبات والانخراط الاقتصادي وإعادة دمج سوريا في النظام المالي العالمي، فالعواصم الأوروبية تدرك أن ترك سوريا خارج الاقتصاد الدولي يعني إبقاء شرق المتوسط كله في دائرة الهشاشة الأمنية والهجرة والفوضى العابرة للحدود.
لكن الأهم أن دمشق نفسها تبدو أكثر استعداداً لالتقاط اللحظة الجيوسياسية النادرة، فبيان “أولويات التعافي” الذي قدمته الحكومة السورية لا يتحدث بلغة شعارات، بل بلغة دولة تحاول إعادة بناء المؤسسات وفق رؤية طويلة الأمد، وهنا تحديداً تكمن قوة المقاربة السورية الجديدة: الانتقال من منطق الإغاثة المؤقتة إلى منطق الدولة القادرة على إنتاج الاستقرار.
وكما يقول أهل الشام، “الطاحونة لا تدور بالهواء”، فان التعافي يحتاج إلى شراكات ورؤوس أموال وأسواق واستثمارات، لا إلى خطابات فقط، لذلك فإن انفتاح سوريا على أوروبا يشكل محاولة لإعادة تموضع استراتيجي ينسجم مع التحولات الكبرى في المنطقة.
ولهذا تبدو دمشق اليوم كمن يعيد فتح نوافذه على العالم بهدوء الواثق لا بضجيج المنكسر، وفي عالم المصالح القاسية، قد يكون هذا الهدوء بالذات هو أكثر أشكال القوة دلالةً وتأثيراً.








