وزارة الداخلية تلقي القبض على غسان عساف الذي شغل منصب مدير مكتب سهيل الحسن زمن النظام المخلوع

مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة خلال جلسة لمجلس الأمن:سوريا سلمت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية ما يزيد على 60 ألف وثيقة من البرنامج الكيميائي للنظام البائد

المزيد

‫آخر الأخبار:‬

بين دفتري البقالة وميزانية الأسرة.. عندما تفقد التقارير ثقتها في قراءة التضخم المعيشي

‫شارك على:‬
20

تتأرجح قراءة البيانات الاقتصادية في أوقات الأزمات المركبة بين صرامة الأرقام الحسابية الصادرة في الجداول الرسمية وبين حقائق المعيشة اليومية الشاخصة في الأسواق، حيث تتحول المؤشرات من مجرد نسب مئوية جافة إلى تفاصيل تلامس البنية الحيوية لاستمرار الأسر ومقدرتها على الصمود. وعلى خلفية صدور تقارير تخص التضخم بالأسواق والبحث بمدى تمثيلها فعلياً لواقع الأسواق المحلية، تم التوجه إلى الأستاذ في إدارة الأعمال بجامعة حلب، الدكتور خليل حمدان، الذي قدم مقاربة تحليلية متأنية تنطلق من ثنائية “دفتر البقالة وميزانية الأسرة” للإجابة عن تساؤل جوهري حول مدى عكس مؤشرات التضخم للواقع المعيشي الفعلي، مؤكداً في مستهل قراءته أن التضخم لا يقاس فقط بما تكتبه التقارير، بل بما تحذفه الأسر من قوائم مشترياتها.

وتأتي هذه المقاربة بعد أيام قليلة من صدور تقرير اقتصادي لإحدى الجهات البحثية يحدد نسبة التضخم في سوريا خلال الأشهر الماضية، وحيث قاده إغلاق التقرير المذكور وفتح دفتر مصروف أسرة سورية في نهاية الشهر في ذهنه، إلى التوقف عند مسافة كبيرة وفاصلة بين الرقمين تستحق التمعن والمكاشفة.

الهوة بين الأرقام الإحصائية وذاكرة السواق

وفتح أستاذ الاقتصاد في قراءة للتباين بين الجداول الرسمية وحركة البيع والشراء الباب أمام تساؤلات بسيطة لكنها عميقة الدلالة، تتمحور حول إذا ما كانت ربة المنزل السورية ستصدق هذه الأرقام لو أعطيناها التقرير، وهل سيجد صاحب بقالة يشتري البضائع يومياً أن تلك الأرقام تشبه ما يراه في متجره كل يوم.

ويبين الدكتور خليل حمدان أن المشكلة هنا ليست في الأرقام بحد ذاتها، بل في كون السوريين أصبحوا يعيشون اقتصاداً مختلفاً عن ذلك الذي تصفه بعض الجداول والتقارير، فبينما تتحدث الدراسات عن نسب محددة ومنضبطة للتضخم، يتحدث المواطن في المقابل عن فاتورة غذاء تضاعفت بشكل حاد، وتكاليف نقل ارتفعت بصورة مرهقة، وخدمات أصبحت تستهلك جزءاً أكبر بكثير من دخله الشهري.

ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي حول ما إذا كانت مؤشرات التضخم تعكس ما يعيشه الناس فعلاً، لكون التضخم في نهاية المطاف ليس رقماً مجرداً يقرؤه الناس في التقرير، بل واقع ملموس يواجهونه مع إشراقة كل يوم.

المواطن مؤشراً مستقلاً

ويرى حمدان أنه في الوقت الذي يحتاج فيه المواطن في الدول المستقرة إلى التقارير الدورية ليعرف ما يحدث في اقتصاد بلاده، فإن الوضع في سوريا يبدو مختلفاً تماماً، إذ تحول المواطن السوري إلى جزء من عملية القياس ذاتها، فهو لا يقرأ حركة الاقتصاد عبر التقارير بل يلمسها يومياً في السوق وفاتورة المنزل وقائمة المشتريات التي تتغير باستمرار دون ثبات، ولهذا لا يحتاج السوري إلى انتظار نشرات التضخم ليعرف إن كانت الأسعار ترتفع أو تنخفض، لكونه يعاين ذلك بشكل مباشر في أدق تفاصيل حياته اليومية. كما إن صاحب البقالة الذي يشتري البضائع بشكل مستمر، ورب الأسرة الذي يدير مصروف منزله، يمتلكان ذاكرة اقتصادية لا تقل أهمية عن كثير من الجداول الإحصائية، فهما يقارنان يومياً بين ما كان يمكن شراؤه بالأمس وما يمكن شراؤه اليوم في ظل هذا المسار التصاعدي للأسعار.

اختبارات ميدانية تغني عن الرسوم البيانية

ويميل الرأي الأكاديمي للدكتور حمدان في كثير من الأحيان إلى اعتماد اختبار أبسط وأكثر واقعية من عشرات الجداول والرسوم البيانية المعقدة، ويتمثل في توجيه أسئلة مباشرة للناس، كأن تسأل أي ربة منزل عن تكلفة سلة الغذاء الشهرية لعائلتها قبل عام وكيف أصبحت اليوم، أو تسأل أي صاحب متجر وبقالة عن حجم رأس المال الذي كان يحتاجه لتعبئة رفوف متجره قبل سنة وكم يحتاج من ملايين الليرات الآن لإتمام المهمة ذاتها.

مضيفا: على الرغم من أن هذه الإجابات لن تمنحك دراسة أكاديمية كاملة بالمعنى التقليدي، إلا أنها تقدم صورة دقيقة وقريبة جداً من الواقع الفعلي للأسواق، حيث يكفي أن يسأل السوري نفسه سؤالاً بسيطاً عن تكلفة تعبئة براد المنزل بالمواد الأساسية قبل عام مقارنة باليوم، أو تكلفة وجبة عائلية متوسطة قبل سنوات قليلة مقارنة بما تحتاجه اليوم، لتتحول الأرقام هنا من جداول صامتة إلى واقع معيش ومؤشر يستحق التوقف عنده لا تجاهله عندما تتكرر الإجابات نفسها من آلاف الأسر والتجار.

قصور مواكبة أنماط الاستهلاك المتغيرة

أوضح أستاذ إدارة الاعمال هذا الطرح الاقتصادي لا يعني معارضة أهمية الدراسات الاقتصادية أو المؤشرات الإحصائية التي لا يمكن إدارة الاقتصاد أو رسم السياسات العامة دون بياناتها الدقيقة والمحدثة، بل إن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يشعر المواطن أن الأرقام المنشورة لا تشبه إطلاقاً ما يعيشه في حياته اليومية، فعندما يقرأ أن التضخم ارتفع بنسبة معينة، بينما يرى أن مصروف أسرته تضاعف بنسب أكبر بكثير، فإنه لا يبدأ بمراجعة المعادلات الاقتصادية أو منهجيات القياس والعيّنات.

بل يبدأ فوراً بالتشكيك في الأرقام نفسها، وهنا تكمن المعضلة الحقيقية لكون أي مؤشر اقتصادي يفقد جزءاً كبيراً من قيمته التوجيهية عندما يفقد الناس ثقتهم بقدرته على وصف واقعهم الحقيقي. والسؤال الأكثر أهمية هنا ليس كيف نحسب التضخم، بل ماذا نحسب، وخصوصاً أن أنماط الاستهلاك في سوريا تغيرت بشكل بنيوي كبير خلال السنوات الماضية، بعد  تخلّي كثير من الأسر عن سلع كانت تعتبر أساسية في السابق، واستحوذت نفقات أخرى على حصة الأسد من دخل الأسرة، وبالتالي فإن أي مؤشر لا يواكب هذه التغيرات الديناميكية قد يكون صحيحاً من الناحية الحسابية البحتة، لكنه أقل قدرة على عكس الواقع المعيشي الفعلي، فالناس لا تعيش داخل الجداول بل داخل الأسواق، ولا تقيس مستوى المعيشة بالمعادلات بل بما تستطيع شراءه في نهاية الشهر.

مهارات التكيّف وإدارة الأزمات

يرى حمدان أن سنوات الأزمة الطويلة منحت ملايين السوريين خبرة من نوع خاص جداً تعوّض غياب الشهادات الأكاديمية في الاقتصاد أو الإحصاء لدى معظمهم، فالمواطن الذي اضطر إلى إعادة ترتيب أولوياته عشرات المرات وشاهد أسعار السلع تتغير باستمرار، أصبح يمتلك قدرة استثنائية على ملاحظة التغيرات الاقتصادية وقياس أثرها المباشر على حياته اليومية، حيث تعلّم السوريون خلال السنوات الماضية مقارنة الأسعار بصورة شبه يومية، ومراقبة تذبذبات أسواق الصرف، وحساب تكاليف المعيشة بدقة، وتقدير أثر أي تغيّر اقتصادي على ميزانياتهم الأسرية حتى أصبحت هذه المهارات جزءاً لا يتجزأ من عاداتهم اليومية.

ولفت الى أن هذه المعرفة المتراكمة التي فرضتها الظروف جعلت من السوريين مراقبين اقتصاديين بحكم الضرورة، وحصلوا من خلالها على شهادة لم تمنحها جامعة ولم تكتبها مؤسسة تعليمية بل خطتها الحياة نفسها، وهي شهادة في إدارة الأزمات المعيشية ومراقبة الأسعار والتكيّف مع اقتصاد متغير باستمرار، ولهذا قد يخطئ المواطن في حساب النسبة المئوية الدقيقة للتضخم، لكنه نادراً ما يخطئ في معرفة اتجاهها الحقيقي أو تقدير أثرها على حياته، لأن التجربة اليومية تنتج حسّاً اقتصادياً يصعب تجاوزه أو القفز فوقه.

مصير الرواتب أمام التضخم

وفي ختام هذه القراءة الاقتصادية، أكد حمدان أنه لا تبرز الدعوة هنا لاستبدال الدراسات الاقتصادية ومراكز الإحصاء بدفتر البقالة وميزانية الأسرة، بل تبرز ضرورة مراجعة ونقاش أي رقم لا يستطيع الصمود أمام أسئلة الناس البسيطة، فالتضخم في نهاية المطاف هو ما يحدث عندما تفتح الأسرة دفتر مصروفها آخر الشهر وتكتشف أن الراتب نفسه لم يعد يشتري تفاصيل الحياة ذاتها، وهو ما يلاحظه صاحب المتجر عندما يحتاج إلى رأس مال أكبر ليملأ الرفوف ذاتها، وهو ما يشعر به الموظف عندما يكتشف أن دخله الحقيقي يتراجع بقوة حتى لو بقي الرقم المكتوب على قسيمة راتبه ثابتاً كما هو.

وإذا كانت التقارير تمتلك القدرة على إخبارنا بكم بلغ التضخم كنسبة مئوية، فإن دفاتر البقالة وميزانيات الأسر تخبرنا بدقة ماذا فعل التضخم بالناس، وبين الرقم والأثر تكمن الحقيقة التي يبحث عنها الجميع، حيث يبقى المؤشر الاقتصادي الناجح هو ذلك الذي يستطيع أن يقرأه الخبير فيقتنع به ويقرأه المواطن فيشعر أنه يتحدث عن تفاصيل حياته فعلاً، وعندما يلتقي ما تقوله الجداول بما تقوله دفاتر الإنفاق المنزلية يمكن القول إننا نفهم التضخم ولا نقيسه فقط، لكونه قصة تكتبها الأسر السورية كل يوم وهي تعيد ترتيب أولوياتها وتؤجل بعض احتياجاتها وتستغني عن بعضها الآخر، ومن الصعب بمكان إقناع الناس برقم لا يشبه ما يعيشونه ويلمسونه في تعاملاتهم اليومية.