لم تعد الانتهاكات المتكررة التي ترتكبها بقايا تنظيم “قسد” في الحسكة مجرد حوادث ميدانية معزولة أو تصرفات فوضوية عابرة، بل باتت تعكس بصورة واضحة حجم التناقضات والانقسامات داخل التنظيم نفسه، بين تيار يدرك أن مستقبله الطبيعي لا يكون إلا ضمن الدولة السورية ومؤسساتها، وبين تيار آخر ما يزال أسير مشروع “حزب العمال الكردستاني” الإرهابي وأجنداته العابرة للحدود، ويرفض أي تسوية تعيد المنطقة إلى كنف الدولة والقانون.
وفي هذا السياق، فان إعلان هذه البقايا “النفير العام” وتحريك الأرتال العسكرية والآليات الثقيلة نحو خطوط التماس مع الجيش العربي السوري، بالتزامن مع دعوات التحريض والتجييش التي أطلقتها منصات إعلامية مرتبطة بـ”العمال الكردستاني”، لا يمكن تفسيره إلا بوصفه انقلاباً صريحاً على اتفاق 29 كانون الثاني، الذي حظي بدعم عربي ودولي واسع، وكان من المفترض أن يشكل مدخلاً حقيقياً لإنهاء حالة الفوضى والانقسام في شمال شرق سوريا.
والأخطر في هذه التحركات أنها كشفت بصورة لا لبس فيها أن القرار الفعلي داخل “قسد” لا يزال مرتهناً لقيادات ومجموعات مرتبطة بـ”قنديل”، تعمل على تخريب أي مسار يقود إلى الاندماج الكامل ضمن مؤسسات الدولة السورية، فالهتافات التي رفعتها ميليشيا “الشبيبة الثورية”، وترديد شعارات “گريلا”، وإحراق اللوحات الرسمية والاعتداء على القصر العدلي لأيام متتالية، ليست مجرد أعمال شغب، بل رسائل سياسية وأمنية تؤكد استمرار العقلية الميليشياوية الرافضة لفكرة الدولة والسيادة الوطنية.

كما أن ظهور لهجات غير سورية في مقاطع الفيديو المتداولة، والدعوات العلنية لاستقدام الدعم والمقاتلين من خارج البلاد، يعزز القناعة بأن جزءاً كبيراً من هذا التصعيد لا يرتبط بمطالب محلية أو حقوقية، بل بمشروع خارجي يستخدم بعض المجموعات المسلحة وقوداً لمعركة لا تخدم أبناء المنطقة ولا استقرارها.
في المقابل، تبدو الدولة السورية الأكثر التزاماً بتنفيذ الاتفاق رغم الخروقات المتكررة، فمنذ توقيع الاتفاق، مارست دمشق أقصى درجات ضبط النفس، رغم قدرتها العسكرية الواضحة على الحسم السريع، وهو ما ظهر خلال العمليات الأخيرة في الرقة ودير الزور وأجزاء واسعة من الجزيرة السورية، إلا أن الدولة اختارت المسار السياسي حفاظاً على السلم الأهلي ومنعاً لانزلاق المنطقة إلى مواجهة واسعة يدفع المدنيون ثمنها.
ولم تكتف الحكومة السورية بذلك، بل مضت بخطوات عملية تؤكد جديتها في إنجاح الاتفاق، بدءاً من الإفراج عن مئات المنتسبين لـ”قسد”، وتسهيل عودة العائلات المهجرة من عفرين، وصولاً إلى إصدار المرسوم رقم 13 الذي كرس الاعتراف بالحقوق الثقافية واللغوية للكرد السوريين، وأكد أن المواطنين الكرد جزء أصيل من النسيج الوطني السوري.
واليوم، تبدو الصورة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى: هناك طرف داخل “قسد” يريد الاندماج والتسوية والانخراط في مشروع الدولة السورية، وطرف آخر تقوده حسابات “العمال الكردستاني” الإرهابي، ويراهن على الفوضى والسلاح والشعارات الانفصالية، وبين هذين الخيارين، تراهن دمشق على الزمن والعقلانية والاحتواء، لكنها في الوقت ذاته تؤكد أن سيادة الدولة ووحدة أراضيها ليستا موضع تفاوض أو مساومة، وأن أي محاولة لفرض أمر واقع بالقوة لن تنتج إلا مزيداً من العزلة والانهيار لتلك المجموعات الخارجة عن منطق الدولة.
الوطن- أسرة التحرير








