لم يعد تذبذب سعر صرف الدولار في سوريا مجرد مؤشر نقدي يعكس حالة السوق، بل تحوّل إلى عامل رئيسي يعيد تشكيل المالية العامة، ويؤثر بصورة مباشرة في قدرة الدولة على التخطيط والإنفاق وتنفيذ المشاريع وإبرام العقود الحكومية.
ويؤكد الدكتور عبد الرحمن محمد أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، أن الليرة السورية فقدت إلى حد كبير وظائفها الأساسية كوحدة للحساب ووسيط للتبادل ومخزن للقيمة، الأمر الذي جعل سعر الصرف المتقلّب المحدد الأبرز لقيمة الموازنة العامة وفاعليتها وقدرتها على تحقيق أهدافها الاقتصادية والاجتماعية.
الموازنة تفقد قيمتها

ويبين محمد، أن إعداد الموازنة لم يعد عملية تخطيط مالي دقيقة، بل أصبح عملية تقدير في بيئة شديدة التقلّب، لأن الأرقام التي توضع عند إعداد الموازنة تتآكل قيمتها الحقيقية مع كل تغيّر في سعر الصرف.
ويشير إلى أن الموازنة التي تبنى على أساس سعر صرف معين، قد تفقد جزءاً كبيراً من قيمتها خلال أشهر قليلة إذا ارتفع سعر الدولار، وهو ما يخلق فجوة واسعة بين الموازنة القانونية والموازنة الفعلية، ويضعف قدرة الدولة على تنفيذ برامجها.
كما أصبحت الإيرادات الضريبية والجمركية أكثر تقلّباً وصعوبة في التقدير بسبب ارتباط جزء كبير منها بأسعار السلع المقوّمة بالدولار، الأمر الذي يجعل تقدير موارد الخزينة أكثر تعقيداً ويضعف دقة التخطيط المالي.
تضخّم بالأرقام
ويرى أن تضخّم أرقام الموازنة لا يعني بالضرورة زيادة الإنفاق الحقيقي، لأن التضخم وتراجع قيمة العملة يؤديان إلى انخفاض القوة الشرائية للاعتمادات المرصودة، لتتحول الزيادات الاسمية إلى تراجع فعلي في القدرة على تمويل الخدمات والمشاريع.
الرواتب أول الضحايا
ويؤكد محمد أن الإنفاق الجاري يتعرض لضغوط متزايدة، إذ تتراجع القيمة الحقيقية للرواتب والأجور بصورة مستمرة، بينما ترتفع تكاليف شراء الأدوية والمستلزمات الطبية ومواد الصيانة والتجهيزات التعليمية المرتبطة بالاستيراد، الأمر الذي ينعكس على مستوى الخدمات العامة حتى مع زيادة المخصصات المالية.
الاستثمار العام يتوقف
ويشير إلى أن الموازنة الاستثمارية تعدّ الأكثر تضرراً، لأن تنفيذ المشاريع يعتمد على مواد ومعدات مستوردة ترتفع تكلفتها مع كل تغيّر في سعر الصرف، ما يؤدي إلى تجميد المشاريع أو إعادة تقدير كلفتها أو إلغائها في بعض الحالات.
ويلفت إلى أن الضغوط المالية قد تدفع الحكومة إلى تحويل جزء من الاعتمادات الاستثمارية لتغطية النفقات الجارية، وهو ما يحرم الاقتصاد من الإنفاق التنموي اللازم للنمو وإعادة الإعمار.
العقود الحكومية أمام مخاطر كبيرة
ويحذّر محمد من أنّ تقلّب سعر الصرف يجعل من الصعب على المورّدين والمقاولين تقديم عروض ثابتة بالليرة، لأن تكاليفهم الفعلية مرتبطة بالدولار، ولذلك إما أن ترتفع الأسعار بصورة كبيرة تحسّباً للمخاطر أو تتراجع المنافسة نتيجة عزوف الشركات عن المشاركة في المناقصات.
كما أن تأخر صرف مستحقات المتعاقدين يفقدها جزءاً كبيراً من قيمتها الحقيقية، ما قد يؤدي إلى تأخر التنفيذ أو فسخ العقود أو انخفاض جودة المواد والخدمات المقدمة للدولة.
استقرار الصرف بوابة التعافي
ويخلص محمد إلى أن استقرار سعر الصرف لم يعد مجرد هدف نقدي، بل أصبح شرطاً أساسياً لاستعادة كفاءة المالية العامة ونجاح الموازنة وتحريك الاستثمار وتنفيذ المشاريع الحكومية.
ويؤكد أن ذلك يتطلب معالجة اختلالات ميزان المدفوعات وتعزيز الإنتاج القابل للتصدير واستعادة الثقة بالليرة السورية من خلال بيئة مستقرة اقتصادياً وقانونياً، ما يعيد للموازنة دورها الحقيقي كأداة للتنمية وليس مجرد وثيقة تعكس حجم الأزمة.








