الوطن – أسرة التحرير
يشهد الدور التركي داخل منظومة حلف شمال الأطلسي “الناتو”، تصاعداً لافتاً يعكس تحولات أعمق في بنية الأمن الأوروبي الأطلسي، في ظل سعي أنقرة إلى تعزيز موقعها كفاعل مركزي في هندسة التوازنات الإقليمية والدولية، وتأتي دعوة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لتأسيس “شبكة دفاع وأمن تمتد من تكساس إلى أنقرة” كإشارة سياسية مكثفة تعكس رؤية تركية متقدمة لإعادة تعريف مفهوم الردع الجماعي وتوسيع نطاقه الجغرافي والوظيفي.
هذه الدعوة، التي أطلقها أردوغان خلال مشاركته في قمة رؤساء برلمانات دول الناتو في إسطنبول اليوم، يمكن اعتبارها جزءاً من مقاربة استراتيجية تركية تسعى إلى ترسيخ موقع أنقرة داخل الحلف باعتبارها عقدة وصل بين الشرق والغرب، وبين الجناح الأوروبي والجناح الأطلسي الممتد حتى الولايات المتحدة، فالإشارة إلى “تكساس” تحديداً تحمل دلالة رمزية على إدخال البعد الأمريكي الداخلي في معادلة الأمن الجماعي، بما يعكس رغبة تركية في توسيع نطاق التأثير داخل القرار الأطلسي.

وتستند أنقرة في طرحها إلى معطيات ميدانية متزايدة التعقيد، أبرزها اتساع رقعة الأزمات من الشرق الأوسط إلى أوروبا الشرقية، مروراً بتداعيات الحرب الروسية- الأوكرانية، وتنامي التهديدات غير التقليدية مثل الهجرة غير النظامية والأمن السيبراني وتهديدات البنى التحتية البحرية، وفي هذا السياق، يبرز الطرح التركي باعتباره محاولة لإعادة صياغة مفهوم الأمن الجماعي من دفاع تقليدي إلى منظومة شاملة متعددة المستويات.
وتؤكد المعطيات داخل الحلف أن تركيا تُعد من أكثر الدول التزاماً بالقدرات العملياتية للناتو، سواء عبر مساهماتها العسكرية أو عبر تطوير صناعاتها الدفاعية التي باتت جزءاً من منظومة الإنتاج العسكري للحلف، كما أن موقعها الجغرافي الممتد على تخوم مناطق الأزمات، يمنحها دوراً متقدماً في إدارة التهديدات وتوازنات الردع، وهو ما يمنح خطابها السياسي زخماً إضافياً داخل المؤسسات الأطلسية.
في المقابل، تعكس التحركات التركية تقاطعاً مع ديناميكيات دولية أوسع، حيث يسعى الحلف إلى إعادة ضبط استراتيجيته في مواجهة بيئة أمنية توصف بأنها الأكثر تعقيداً منذ نهاية الحرب الباردة، وفق تقديرات قيادات برلمانية داخل الناتو، كما تتزايد الإشارات إلى أهمية تركيا في منظومة الحلف، ليس فقط كعضو منذ عام 1952، بل كقوة عملياتية فاعلة في ملفات البلقان ومكافحة الإرهاب وأمن الممرات البحرية.
وتزامناً مع ذلك، تواصل أنقرة إدارة سياسة توازن دقيقة بين التزاماتها داخل الناتو وعلاقاتها مع روسيا، في إطار مقاربة براغماتية تهدف إلى الحفاظ على قنوات الحوار المفتوحة مع جميع الأطراف، هذا التوازن يمنح تركيا قدرة على التحرك في مساحة دبلوماسية واسعة، لكنه في الوقت ذاته يضعها أمام اختبار مستمر في ظل تصاعد الاستقطاب الدولي، حسبما يراه مراقبون دوليون.
وبناء على ذلك، يمكن النظر إلى الدعوة التركية الأخيرة باعتبارها جزءاً من مسار طويل تسعى من خلاله أنقرة إلى الانتقال من موقع الشريك المحوري داخل الناتو إلى فاعل مؤسس في إعادة تعريف الأمن الأطلسي، في لحظة دولية تتشكل فيها ملامح نظام أمني جديد أكثر تعقيداً وتشابكاً.








