المزيد

‫آخر الأخبار:‬

تضيق المضائق وتتسع طرقات سوريا

‫شارك على:‬
20

من مضيق هرمز إلى باب المندب، تضيق الممرات المائية بوجه التجارة والطاقة، فيما العالم يترقب فتح الطرقات السورية واتساعها كبديل محتمل ومواز مستقبلاً.

ليس في الأمر «شماتة» ولا تشف، بقدر ما هي أقدار التاريخ والجغرافيا وحسن المبادرة واقتناصها، لعلها تضمد جراح الوطن السوري وتساعد في سرعة تعافيه.

«دوام الحال من المحال» والجغرافيا التي دفعت سوريا أثمانها، تعود اليوم لتفتح أمامها باباً آخر، وهذه المرة من بوابة التجارة والطاقة والممرات الإقليمية.

قبل أيام، قال الرئيس أحمد الشرع خلال مشاركته في قمة الإعلام العربي في دبي إن العالم بدأ يتحدث عن سوريا بوصفها ممراً تجارياً آمناً لسلاسل التوريد بين الشرق والغرب، إضافة إلى دورها الممكن في إمدادات الطاقة.

قد يبدو الكلام للوهلة الأولى جزءاً من طموح اقتصادي سوري مشروع، بعد سنوات الحرب الطويلة وما خلفته في الجسد السوري، لكنه يأتي في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، وتطلع العالم إلى خيارات بديلة، خصوصا أن لا نهاية قريبة تلوح في الأفق للحرب القائمة حول الممرات.

«هرمز» مضطرب، و«باب المندب» لم يعد ممراً يمكن الاطمئنان إليه كما في السابق، وحين تضيق الطرق البحرية تبحث الطاقة والتجارة عن طريق آخر.

في مطلع أيلول، لم يعد الحديث عن هذا الدور سورياً فقط، فقد تناولت صحيفة «واشنطن بوست» إمكانية استخدام الأراضي السورية لنقل النفط والبضائع من العراق والخليج باتجاه البحر المتوسط، في ظل البحث عن طرق تقلل الاعتماد على مضيق هرمز.

لا يعني ذلك أن سوريا ستصبح غدا بديلاً عن هرمز، ولا أن المشاريع أصبحت جاهزة تنتظر «قص الشريط» فبين الحلم والواقع طرق متهالكة، وسكك حديدية تحتاج إلى إعادة تأهيل، ومرافئ تحتاج إلى استثمارات، وأمن يجب تثبيته.

وبلهجتنا البسيطة: «الحكي مو متل الشوف» لكن مجرد عودة سوريا إلى خرائط التجارة، بعد أن بقي اسمها لسنوات مرتبطاً بخرائط الحرب، يستحق التوقف والتحليل واستشراف المستقبل، حتى في البعد السياسي والأمني، وما يتعلق بالموقف الدولي من الاعتداءات والتوغلات الإسرائيلية في الجنوب السوري.

الموقف السوري المعلن والساعي إلى الدور الجديد، يقرأ التحولات وأهميتها، ويدرك قيمة اللحظة وضرورة اقتناص الفرصة وبناء التحالفات الإقليمية والدولية لتعزيزها والسير بها.

فقوافل النفط والسلع، ومشاريع السكك الحديدية، وإعادة تأهيل الطرق البرية، كلها تعيد طرح سوريا كحلقة وصل بين محيطها والبحر المتوسط، فيما تتحرك الإدارة السورية في كواليس القرار الدولي للاستفادة القصوى من هذا التحول ووضع المصالح الاقتصادية والسياسية على طاولة واحدة.

لسنوات طويلة، كان السوري حين يسمع كلمة «طريق» يفكر بطريق سفر أو نزوح أو حاجز أو حدود، اليوم باتت الطرق السورية تعني شاحنة بضائع، وخط قطار، وفرصة عمل، ومصنعا يعود إلى الإنتاج، أو مرفأ يستقبل ويصدر، بدلاً من صور التهجير والقتل والعذاب التي عاشها السوري وتابعها العالم.

أبعد من ذلك، أن يشعر الناس في الحسكة شمالاً وحوران والسويداء والقنيطرة جنوباً، أن حديث الطرق ليس مجرد خطوط ترسم على الخرائط، فمرور قوافل التجارة من المدن والبلدات أشبه بقوافل السياحة، سرعان ما تترك أثرها الاجتماعي والاقتصادي، وتدفع إلى تأمين مستلزمات القوافل وما تحتاجه من خدمات وبنى تحتية ولوجستية، تبدأ بخلق فرص العمل ولا تنتهي بزيادة مساحات الاستقرار والأمان.

لكن الطريق الاقتصادي يحتاج إلى طريق سياسي مواز له.

فكلما تحولت الطرق السورية إلى مصلحة إقليمية ودولية، أصبح استقرار سوريا وأمن طرقها جزءاً من مصالح الآخرين أيضا، وهنا ربما يمكن قراءة المفاوضات الجارية حول اتفاق أمني محتمل مع إسرائيل من زاوية أخرى، تتجاوز حدود الجنوب السوري إلى صورة المنطقة التي يجري تشكيلها.

فسوريا التي يراد لأراضيها أن تحمل البضائع والطاقة بين الشرق والغرب، تحتاج إلى حدود مستقرة، وسيادة واضحة، وطرق لا تهددها مواجهة عسكرية كل بضعة أشهر.

ومن هنا قد تكتسب المفاوضات مع إسرائيل أهمية تتجاوز العلاقة بين الطرفين، فإذا قاد اتفاق أمني محتمل إلى وقف الاعتداءات والتوغلات وتثبيت الاستقرار في الجنوب، فإن أثره لن يبقى محصورا هناك، بل سينعكس على صورة سوريا كدولة عبور يمكن الاستثمار في طرقها ومرافئها ومشاريعها.

وبالمقابل، كلما أصبحت الطريق السورية جزءاً من مصالح العراق والخليج وتركيا والشركات والدول الباحثة عن بدائل أكثر أمناً، يصبح لهذه الأطراف نفسها مصلحة أكبر في استقرار سوريا، وفي الضغط باتجاه منع تحول جنوبها أو أي جزء من أراضيها إلى ساحة مواجهة تهدد تلك المصالح.

ترسيخ معادلة سوريا في قلب التجارة الإقليمية والدولية بموقعها ودورها، ستتبلور خلال الأشهر القادمة، وتنتقل من ضفة المشروع إلى ضفة التطبيق الواقعي.

وكل ذلك يستوجب حضور الدولة السورية بحكوماتها وسياساتها وتحالفاتها، وصولاً إلى المجتمع ذاته بمسارات موازية، فالطرق الجديدة تحتاج إلى دولة قادرة على تأمينها، وإلى قوانين واضحة واستثمارات وبنية تحتية، وتحتاج قبل كل ذلك إلى ثقة تجعل المستثمر يعرف أن بضاعته التي تدخل من الشرق ستصل إلى المتوسط بأمان.

سياسياً، من الثوابت التي لا حاجة لشرحها أن استعادة الدولة سيطرتها على كامل الجغرافيا السورية وإنهاء بؤر التوتر والسلاح خارج إطارها، ستكون في صلب أي مشروع اقتصادي من هذا النوع، فلا اقتصاد ولا ممرات آمنة من دون دولة قادرة على حماية الطريق وضمان استمراره.

لذلك سيبقى السؤال حاضراً: من يملك الطريق؟ ومن يستطيع حمايته؟ ومن يستفيد من بقائه مفتوحاً؟

ربما تحمل الإجابة جزءاً من مستقبل سوريا القادم، فحين تصبح الطريق السورية حاجة للآخرين، يصبح أمنها مصلحة لهم أيضاً.

وحين تضيق المضائق، قد تتسع أمام سوريا الطرق.