يتسارع الحراك الأوروبي لتشكيل قوة بحرية متعددة الجنسيات لتأمين الملاحة في مضيق هرمز، مع انتقال التحركات الغربية من مرحلة المشاورات السياسية إلى التخطيط العسكري العملي، وسط تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، ومخاوف متزايدة من اضطراب حركة الشحن والطاقة في أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وفي هذا السياق، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن مبادرة تعتزم باريس طرحها داخل الأمم المتحدة، تتضمن إطاراً تمهيدياً لمهمة بحرية “محايدة وسلمية” لضمان أمن الملاحة في المضيق، مؤكداً أن إعادة فتح هرمز تمثل “أولوية مطلقة” قبل معالجة الملفات الأخرى عبر التفاوض.
ويعكس الطرح الفرنسي محاولة لفصل ملف أمن الملاحة عن بقية عناصر النزاع القائم بين واشنطن وطهران، عبر إنشاء قوة بحرية متعددة الجنسيات هدفها حماية التجارة الدولية ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.

بالتوازي مع التحرك السياسي، دفعت باريس بحاملة الطائرات “شارل ديغول” والسفن المرافقة لها باتجاه البحر الأحمر والخليج العربي، ضمن ما وصفته بـ”التموضع الاستباقي”، بهدف تقليص زمن الاستجابة ورفع الجاهزية العسكرية تحسباً لأي تطورات ميدانية.
كما استضافت لندن اجتماعات عسكرية موسعة شارك فيها مخططون من أكثر من 40 دولة لبحث تفاصيل القوة البحرية المقترحة وآليات القيادة والسيطرة وحماية السفن التجارية وإزالة الألغام وتأمين الممرات البحرية.
وتحدثت وزارة الدفاع البريطانية عن أول اجتماع لوزراء الدفاع ضمن إطار المهمة متعددة الجنسيات، برئاسة وزير الدفاع البريطاني جون هيلي ونظيرته الفرنسية كاترين فوتران، في خطوة تعكس انتقال المشروع من التنسيق الدبلوماسي إلى بناء بنية عملياتية جاهزة للتحرك عند توافر الظروف المناسبة.
ميدانياً، بدأت بريطانيا تعزيز وجودها العسكري قرب المنطقة عبر إرسال المدمرة “إتش إم إس دراغون”، ومقاتلات “تايفون”، وأنظمة مسيرة لكشف الألغام والتصدي للطائرات المسيّرة، إضافة إلى تخصيص تمويل جديد لدعم المهمة البحرية.
وأكدت لندن أن المهمة ستكون “دفاعية ومستقلة”، وتهدف إلى طمأنة قطاع الشحن العالمي وضمان حرية الملاحة، في وقت تسعى فيه باريس ولندن إلى تقديم التحالف باعتباره أداة حماية وردع، لا مشروع مواجهة مفتوحة مع إيران.
ويضم التحرك الأوروبي دعماً ومشاركة من دول أوروبية وآسيوية وخليجية، بينها ألمانيا وإيطاليا واليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا والإمارات والبحرين، فيما تربط بعض الدول مشاركتها بالحصول على غطاء قانوني دولي عبر مجلس الأمن.
وفي هذا الإطار، أعلنت إيطاليا نيتها إرسال كاسحات ألغام إلى المنطقة ضمن ما وصفته بـ”التموضع المسبق”، مع تأكيد أن أي مهمة عسكرية لن تنفذ إلا في ظل هدنة مستقرة أو اتفاق سلام دائم.
كما أعلنت أستراليا استعدادها للانضمام إلى البعثة الفرنسية البريطانية عبر طائرة مراقبة من طراز “Wedgetail E-7A”، مؤكدة أن المهمة دفاعية بحتة وتهدف إلى دعم أمن التجارة الدولية وخفض التصعيد.
ورغم أن الولايات المتحدة لا تشارك بصورة مباشرة في التحالف الأوروبي، فإنها تبقى حاضرة في خلفية المشهد عبر انتشارها العسكري الواسع في الخليج، إلى جانب مبادرتها الخاصة لحماية الملاحة، فيما يواصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الضغط على الأوروبيين لتحمل دور أكبر في أمن المضيق.
وفي مقابل الحشد الدولي، لا تزال المهمة تواجه تحديات معقدة، أبرزها تحذيرات إيران من أي تحرك لفرض واقع عسكري جديد قرب مياهها الإقليمية، ما يجعل “تحالف هرم” أمام اختبار صعب بين تحقيق الردع ومنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة داخل أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
الوطن – أسرة التحرير








