إن تحرير منطقة الجزيرة السورية يُمثّل نقطة تحوّل مفصلية في مسار الاقتصاد السوري، نظراً لما تمتلكه المنطقة من موارد استراتيجية في قطاعات النفط والغاز والزراعة والثروة الحيوانية، وما يترتب على ذلك من انعكاسات مباشرة على ميزان المدفوعات وسعر صرف الليرة السوريّة.
وفق ما أكده لـ”الوطن” الوزير السابق في الحكومة الانتقالية، الدكتور عبد الحكيم حسين المصري،
موضحاً أن الحديث عن الأثر الاقتصادي لتحرير الجزيرة السورية يجب أن ينطلق من محورين أساسيين، أولهما قطاع النفط والغاز مبيناً أن هذا القطاع كان يُشكّل قبل الثورة نحو 20 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي السوري، في وقت كانت فيه قرابة 80 بالمئة من هذه الموارد تحت سيطرة – قسد – حيث كان يتم بيع جزء كبير من النفط بأسعار منخفضة، ما أفقد الدولة جزءاً كبيراً من عائداتها الحقيقية.
وأضاف: إن الإحصاءات الرسمية الصادرة تشير إلى أن الإنتاج النفطي اليومي كان يبلغ نحو 387 ألف برميل، يُصدَّر منها ما يقرب من 187 ألف برميل، بينما يُخصّص الباقي للاستهلاك المحلي، ما جعل سوريا آنذاك دولة مُصدّرة للنفط بشكل كامل.
وأشار المصري إلى أنه مع اندلاع الثورة وخروج منطقة الجزيرة عن سيطرة النظام، تحوّل المشهد جذريّاً، حيث أصبحت البلاد تعتمد على استيراد النفط، وهو ما شكّل ضغطاً كبيراً على العملة الصعبة وميزان المدفوعات.
وأكد أنه واستعادة السيطرة على هذه الموارد اليوم تفتح المجال أمام وقف الاستيراد والعودة إلى التصدير، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على الاقتصاد من خلال تقليص خروج القطع الأجنبي، بل وتحقيق تدفقات نقديّة داخلة مقابل صادرات النفط والغاز.
وفي المحور الثاني، تحدّث المصري عن الأراضي الزراعية في الجزيرة السوريّة، واصفاً إياها بأنها تُمثّل العمود الفقري للأمن الغذائي في البلاد.
وأوضح أن المنطقة كانت تنتج أكثر من نصف إنتاج سوريا من القمح والقطن، وهو ما مكّن الدولة سابقاً من امتلاك مخزون استراتيجي من هذه المحاصيل يكفي لعدة سنوات، بحيث لم تكن سوريا بحاجة إلى استيراد القمح بالمطلق.
وأضاف: إن هذا الواقع تغيّر خلال السنوات الماضية، إذ اضطرت البلاد إلى استيراد القمح لتأمين مادة الخبز، إلى جانب استيراد المشتقات النفطية، نتيجة فقدان السيطرة على الموارد الأساسية.
لكن مع تحرير الجزيرة، يؤكد المصري أن سوريا تمتلك اليوم فرصة حقيقية للعودة إلى الاكتفاء الذاتي في المنتجات الاستراتيجية، وعلى رأسها القمح والبترول، فضلاً عن الشعير والحبوب والقطن، مع إمكانية تصدير جزء من الفائض.
ولفت الوزير السابق إلى أن الجزيرة السوريّة لا تقتصر أهميتها على النفط والزراعة فحسب، بل تمتلك أيضاً ثروة حيوانيّة كبيرة، يمكن أن تسهم بشكل فعّال في تعزيز الناتج المحلي الإجمالي، وتحسين الأمن الغذائي، وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
وحول الانعكاسات المالية، شدد المصري على أن تحسّن ميزان المدفوعات الناتج عن تقليص الاستيراد وزيادة التصدير سينعكس مباشرة على استقرار سعر صرف الليرة السوريّة.
وأشار إلى أن الأسواق أظهرت استجابة سريعة، حيث تحسّن سعر الصرف خلال أيام قليلة من نحو 12,300 ليرة إلى ما يقرب من 11,300 ليرة مقابل الدولار.
وختم المصري بالتأكيد على أن هذا التحسّن، السريع يجب العمل عليه بدراية وعناية ليكون على المدى الطويل من خلال إدارة فعّالة للموارد، بما يمكّن الدولة من تحقيق استقرار مستدام في سعر الصرف ووضع أُسس حقيقية لتعافٍ اقتصادي شامل.






