الوطن – أسرة التحرير
أكد الممثل السوري جمال سليمان أن الإنسان لا يجد مكاناً يشبه بلده مهما ابتعد، راوياً كيف استقبلته دمشق بأمطار أيار، في مشهد رآه رمزياً، وكأن السماء والأرض تتوحدان بعد سنوات طويلة من الغياب، مؤكداً أن العودة ليست مجرد رجوع جغرافي، بل عودة إلى الذاكرة والأصدقاء والطفولة والأماكن الأولى.
وفي لقاء عبر برنامج “وسط البلد” على تلفزيون “سوريا”، قال سليمان إن الفن حتى في صوره الكوميدية والعادية وثيق الصلة بالسياسة، مضيفاً أن الفن يكرّس قيماً، ويدفع الناس إما إلى الاستكانة أو إلى التمرد، ويناقش قضايا المجتمع والأمة.

وأوضح أن المشكلة ربما تكمن في فهم كلمة “السياسة”، فإذا تحول الفن إلى دعاية لحزب أو جهة سياسية، فيكون في أسوأ أحواله، أما عندما يتناول القضايا الوطنية والاجتماعية والإنسانية الكبرى، فيجب أن يكون له موقفاً.
وتحدث سليمان عن الانتقادات التي تلقاها خلال سنوات الثورة، حين كان بعض الناس يقولون له: “أنت فنان، ما دخلك؟”، وقال إن المسألة لم تكن سياسة بالنسبة إليه، بل مسألة وطنية وإنسانية وأخلاقية.
وأضاف: “لا أحد يرى بيته يحترق ويقف على الحياد، لا أحد يرى أهله يقتلون ويعتقلون ويقول أنا فنان لا علاقة لي”.
وتحدث عن صور “قيصر”، وقال إنه شاهد بعضها قبل نشرها عبر إحدى الجهات، ولم يستطع النوم في تلك الليلة، وأوضح أنه لم يصدق في البداية أن القسوة والوحشية واللاإنسانية قد تصل إلى هذا الحد، وظن أن الصور ربما تكون مزورة أو معدلة، لكن التحقق من صحتها غيّر كل شيء، وقال إن من يطلب من الفنان الوقوف على الحياد في مواجهة ذلك كأنه يطلب منه أن يتجرد من إنسانيته.
وتحدث سليمان عن علاقة الفن بالسلطة، إذ وصف الفن بأنه “حصان جامح”، على حين تحاول الأنظمة السياسية دائماً ترويضه وتحويله إلى أداة دعائية، وقال إن العمل الفني عندما يتحول إلى مجرد بوق سياسي يفقد تأثيره الحقيقي، لأن الجمهور يحتقر الفن الدعائي، على حد تعبيره.
وأكد أن الدراما السورية، حتى في أصعب الظروف، حاولت الحفاظ على مساحة نقدية، ولو عبر التلميح والرمز.
هل يستطيع الفن أن يطرح سردية موحدة للسوريين؟ أم إن عليه طرح سرديات متعددة؟ أجاب جمال سليمان خلال الحلقة بأنه لا يؤمن بوجود سردية واحدة للمجتمعات، بل يرى أن نجاحها يكمن في فهم سردياتها المتعددة والتمييز بين ما هو تاريخي وما هو معاصر، مضيفاً أن مشكلة المجتمعات العربية أنها كثيراً ما تبقي التاريخ حيّاً وكأنه حدث اليوم، ما يخلق صراعات مستمرة حول الماضي بدل تجاوزه.
وأكد أن التوثيق الدقيق من مهمة المؤرخين والقضاء، في حين أن دور الفن هو رواية الحكاية إنسانياً وبأساليب درامية مختلفة، لا بشكل مباشر أو دعائي، وأضاف أن ما جرى في سوريا سيبقى مادة للأعمال الفنية لعقود قادمة، وأن القيمة الحقيقية تكمن في الأعمال التي تقدم بعداً إنسانياً وسياقاً اجتماعياً وتاريخياً بعيداً عن التوجيه والشعارات.
وأوضح سليمان أن مهمة الفن ليست التوثيق القضائي أو التاريخي، بل “حكاية الإنسان” داخل المأساة، وقال إن الفن يستطيع أن يعيد الاعتبار للضحايا رمزياً، وأن يمنح الناس شعوراً بأن قصصهم لم تُنسَ، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن العدالة الانتقالية لا يمكن أن تقوم على المحاكم فقط، بل تحتاج أيضاً إلى مصالحة وطنية تمنع المجتمع من الانفجار مجدداً.








