الوطن – نجوى صليبه
“صراحة كنت أعرف اسم الكاتب من قبل، فقد طرق سمعي من بعض أساتذتي والمهتمين، لكنّي – وهذا سبب طريف – وجدت عنوانه تقليدياً جداً أو رتيباً، فتوقعت أن يكون محتواه كذلك.. حتى كلفتني إحدى دور النشر منذ مدة قريبة بتصحيح نسخة منه لتنشرها، فوجدتني وقعت على كنز حقيقي، وإذا الكتاب عظيم، لكن لعله ظلمه عدم اشتهار مؤلفه وتقليدية العنوان، ففيه من الآراء النقدية ولاسيما في مقدمته والفصل الأول منه الكثير الطيب، كما أن نصوصه المختارة منتقاة بعناية على امتداد عصور الأدب العربي”، بهذا التصريح لـ”الوطن” بيّن القاص والروائي عبد الله النفاخ سبب اختياره لكتاب “جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب” لمؤلفه الأديب أحمد الهاشمي ليكون موضوع الندوة الحوارية التي أقامها المركز الثقافي العربي في المزة.
ويبدأ النفاخ بمقدمة الكتاب التي كتبها الهاشمي، ويقول: “يبتدئ الهاشمي مصنفه بمقدمة يوجهها إلى المشتغلين بالأدب مطلعها (إليكم يا معشر الكتّاب) وفيها يعظّم من شأن الكتابة ويراها من أشرف وأعظم الصناعات، بل يرى أنها الصناعة التي لا غنى عنها لأهل الملك، وهذا يعطي للكتاب والأديب أهمية سياسية، ويعرج من بعد على صفات الكاتب الخلقية، وهنا يرى أنه لابد من أن يكون من أهل العقل والفضل، ثم يرى أنه يجب على المشتغل بالأدب التزود من العلوم ولا يكتفي بما تمليه عليه قريحته، ومشاعره، ويرى أن عليهم أن يبتدئوا بعلوم الدين وتلك كانت عادة أهل زمانه والأزمنة التي سبقته، ثم يوصيهم وصايا سلوكية صارمة ( ارغبوا بأنفسكم عن المطامع سنيّها ودنيّها وسفساف الأمور ومحاقرها فإنها مذلّة للرقاب، مفسدة للكتّاب، ونزّهوا صناعتكم عن الدناءة).
وأوضح النفاخ: “هذا يُظهر كيف كانت نظرة أهل العلم إلى الكتّاب، فهم يرونهم أهل فضل يجب أن يتحلّوا بأسمى الصفات الخلقية، وهذا غير نظرتهم إلى الشعراء الذين يتسامحون في مخالفتهم، وهذا يعني بصورة من الصور أن النثر كان أشرف في عيون أهل العلم من الشعر”.
وبعدها انتقل النفاخ إلى تمهيد الكتاب الذي يشرح مبادئ علم الأدب، موضحاً أنه “يأتي بجديد لم نعهده في أبناء طبقته وعصره من الفهم والرؤية لحقيقة الأدب ومعانيه، وهو مثلاً يجعل الأدب أدبين طبعياً وكسبياً، والكسبي هو (المقصود لنا في هذا الكتاب، فحينئذ يعرّف بأنه علم صناعي تُعرف فيه أساليب الكلام البليغ في كل حال من أحواله، وهو المدعو بعلم الأدب) ثم يرى أن أركان الأدب هي قوى العقل الغريزية الذكاء والخيال والحافظة والحس”.
يتضمن الكتاب ستة أبواب، ويخصص المؤلف كلّ باب لفنّ من الفنون الأدبية، أولها في أصول الإنشاء الذي يلخصه النفاخ بالقول إن فيه فوائد كثيرة لطلاب الأدب والمشتغلين فيه، مبيناً: “وما بين المقدمة وهذا الباب تتضح النظرية الأدبية لرجل من عصر النهضة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، ولملامح النظرة الأدبية لأبناء تلك المرحلة خصوصيتها ومظاهرها الجامعة بين القديم ومستجدات عصرهم”.
أمّا الفن الأول الذي يتناوله الهاشمي في كتابه فهو المكاتبات والمراسلات، أوضّح النفاخ: “يعرض لنماذج في المكاتبات والمراسلات بعد مقدمة غير طويلة ويفرّق الرسائل إلى ثلاثة أنواع: الأصلية والمتداولة والعلمية، ثم يستعرض لكل صنف نماذج من عصور الأدب العربي كلها، من دون أن يحرص على شهرة الكاتب، بل حرصه كله على قيمة نصوصه الأدبية وحسن بيانه”.
فن المناظرات، الفنّ الثاني الذي يتحدث عنه الهاشمي وهو ـ بحسب قراءة النفاخ ـ يرى أنه يقوم بين خصمين متضادين تظهر خواصّهما ويأتي كل منهما في نصرته لنفسه بأدلة ترفع قدره وتحطّ من مقام الخصم، ثم تصاغ هذه المعاني صوغاً حسناً وترتّب على سياق محكّم، ويبدأ هذا الباب بمناظرة مطولة بين النعمان بن المنذر وكسرى أنوشروان”، وصولاً إلى باب فن الأمثال، ثمّ فن الوصف، ففن المقامات، ويذكر النفاخ أن الهاشمي يعرف المقامة بأنها عبارة عن كتابة حسنة التأليف أنيقة التصنيف، وتتضمن نكتة أدبية، ومدارها على رواية لطيفة مختلفة تُسند إلى بعض الرواة، ووقائع شتى تُعزى إلى أحد الأدباء، أما الفنّ السادس الذي يتحدث عنه المؤلف فهو الروايات ويعني بها الحكايات الأدبية وينوّع فيها ما بين جاهلية وإسلامية وأموية وعباسية.
ويفرد المؤلف فصلاً لتاريخ أدب اللغة العربية، وهو بحسب النفاخ “يكاد يكون كتاباً مختصراً من كتب تاريخ الأدب العربي المعروفة، ويستعرض فيه عصر الجاهلية أولاً بظروفه وأحواله وطبائع أهله ومجتمعه، ثم يدلف إلى أدبائه وشعرائه معرّفاً بهم ومورداً غُزر قصائدهم ولاسيما المعلقات”.
ويصل النفاخ إلى الفصل المخصص لعصر الإسلام، يقول: “يبتدئ الهاشمي كلامه بأعظم سماته وهو القرآن الكريم، لينتقل إلى عموم أحواله الأدبية معرّجاً على خطب النبي عليه السلام، ويفعل الفعل ذاته مع الخلفاء الراشدين، فيورد بعضاً من سيرة كل منهم، ثم يدلف إلى ما يؤثر عنه من خطب وحكم ثم ينتقل إلى أشهر الخطباء من العرب في العصر الإسلامي.. لينتقل بعد ذلك إلى فن الكتابة الذي تبدّى بارزاً مع انتشار الكتابة وتعلّمها بين العرب ويعرّج على أشهر شعراء عصر الإسلام”.






