لا تبدو حرائق الغابات التي تضرب مناطق واسعة من العالم هذا الصيف مجرد حوادث متفرقة، إذ تتزامن في اليونان وإسبانيا وفرنسا والولايات المتحدة، مدفوعة بموجات حر شديدة وجفاف ورياح قوية، لتترك وراءها آلاف الهكتارات المحترقة ومئات المنازل المدمرة، وآلاف السكان الذين اضطروا إلى مغادرة مناطقهم مع اتساع رقعة النيران.
ففي اليونان، دخلت الحرائق أسبوعها الثاني وسط تصاعد الخسائر واتساع المناطق المتضررة، بعدما التهمت النيران نحو 12 ألف هكتار من الغابات والأراضي الزراعية، وكان خليج كورينث من أكثر المناطق تضرراً، حيث دمّرت حرائق منفصلة أكثر من 6500 هكتار، ووصلت النيران إلى قرية بورتو جيرمينو الساحلية القريبة من أثينا، ما أدى إلى إخلائها وعدد من القرى المجاورة، فضلاً عن تضرر وتدمير عشرات المنازل.
وتواجه فرق الإطفاء اليونانية ظروفاً ميدانية صعبة بفعل الرياح العاتية التي تعرقل عمليات مكافحة النيران، ولا سيما تحليق الطائرات المخصصة للإخماد نتيجة الاضطرابات الهوائية، كما يشارك مئات العناصر في عمليات السيطرة على الحرائق، فيما لا تزال درجة الخطر مرتفعة في مناطق عدة، بينها أثينا الكبرى وإيفيا وبيوتيا، وسط استمرار الظروف المناخية الملائمة لانتشار النيران.

ولا تبدو إسبانيا بعيدة عن المشهد ذاته، إذ تواصل فرق الإطفاء مكافحة عدة حرائق في مناطق مختلفة، في وقت أتى حريق في مقاطعة زامورا على نحو 11 ألف هكتار، قبل أن يتحسن الوضع ويسمح بإعادة فتح عدد من البلدات وعودة سكانها، كما التهم حريق آخر في مقاطعة كاستيلون نحو 10 آلاف هكتار قبل أن تتمكن فرق الإطفاء من احتوائه.
وفي فرنسا، أعلنت السلطات السيطرة على أكبر حريق غابات تشهده البلاد منذ عام 1949، بعدما اجتاح إقليم جيروند جنوب غربي البلاد والتهم نحو 42 ألف هكتار من غابات الصنوبر ودمّر قرابة 240 منزلاً، واضطر نحو 220 ألف شخص إلى مغادرة مناطقهم خلال ذروة الحريق، فيما بقيت بعض البؤر تحت المراقبة.
ورغم السيطرة على حريق جيروند، لا تزال الحرائق تهدد مناطق أخرى، بينها إقليم فار الذي التهمت نيرانه نحو 1500 هكتار إضافية، في ظل توقعات بهبوب رياح “الميسترال” القوية، وتظهر بيانات النظام الأوروبي لمعلومات حرائق الغابات أن المساحات التي احترقت في فرنسا منذ بداية العام بلغت نحو 92 ألف هكتار، متجاوزة الرقم القياسي المسجل عام 2022، وأصبحت الأعلى خلال العقدين الماضيين.
وعلى الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، تواجه ولاية واشنطن الأميركية حرائق اجتاحت أكثر من ربع مليون فدان، متسببة بعمليات إجلاء واسعة وانقطاعات في التيار الكهربائي طالت نحو 60 ألف شخص في منطقة سبوكان، وشملت عمليات الإخلاء منازل ومنشآت حيوية، بينها محطات لمعالجة المياه ومستشفى ومنشأة لتوليد الطاقة من النفايات، من دون تسجيل وفيات أو إصابات مرتبطة بالحرائق حتى الآن.
وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع موجة حر شديدة تضرب غرب الولايات المتحدة، حيث سجلت درجات الحرارة مستويات قياسية في عدد من الولايات، وسط تحذيرات من ارتفاع مخاطر اندلاع حرائق جديدة، وبلغت الحرارة في لاس فيغاس 46 درجة مئوية، مع توقعات بتسجيل درجات أعلى في مناطق أخرى، بينما رفعت السلطات مستوى خطر الحرائق وفرضت قيوداً على عمليات الحرق في الهواء الطلق.
وبينما تتسع رقعة الحرائق من سواحل المتوسط إلى غرب الولايات المتحدة، تتضافر موجات الحر والجفاف والرياح القوية في دفع النيران إلى مناطق جديدة، لتتجاوز خسائرها الغطاء النباتي والممتلكات وتهدد السكان وجودة الهواء، وسط مؤشرات على مواسم أكثر شدة واتساعاً، ما يفرض تعزيز إجراءات الوقاية والاستعداد والاستجابة المبكرة للحد من آثارها.
الوطن – أسرة التحرير








