مرة جديدة، يعكس خطاب الرئيس أحمد الشرع ملامح النهج الذي تتبناه سوريا في المرحلة الراهنة، حيث يظهر توجه واضح لإعادة تحديد دورها في محيطها الإقليمي والعالمي، بعيداً عن الانخراط في مسارات الصراع، وقريباً من البحث عن مساحات توازن مع مختلف الأطراف.
فخلال مشاركته في جلسة حوارية بمنتدى أنطاليا الدبلوماسي بنسخته الخامسة، قدّم الرئيس الشرع تصوراً يقوم على فكرة أن سوريا لم يعد ينظر إليها كطرف في التجاذبات، بل دولة يمكن أن تضطلع بدور محوري يربط بين قوى مختلفة، هذا التحول في الخطاب يعكس رغبة في إعادة صياغة الموقع السياسي بطريقة أكثر هدوءاً وواقعية، مع محاولة بناء صورة جديدة للدولة في محيطها الخارجي.
وينطلق هذا التوجه، وفق مصادر إعلامية متابعة، من إدراك لتجربة السنوات الماضية، حيث جعلت الحرب كلفة الانخراط في النزاعات الإقليمية مرتفعة للغاية، ليس فقط على مستوى الدولة، بل على المجتمع والبنية الاقتصادية أيضاً، لذلك يبدو أن الأولوية اليوم تتجه نحو تجنّب التوترات، مع فتح الباب أمام حلول تقوم على التفاهم بدل المواجهة.

ومن هذا المنطلق، يبرز سعي واضح للحفاظ على علاقات متوازنة مع أطراف متعددة، بما يتيح مساحة أوسع للحركة السياسية ويخفف من قيود الاصطفاف الحاد، وهذا المسار يرتبط أيضًا بمحاولة إعادة بناء الاقتصاد عبر الاستثمار وإعادة الإعمار، مع الاعتماد على الموارد المحلية، والترحيب بالدعم الخارجي عندما لا يكون مشروطاً أو مسيساً.
وفي موازاة ذلك، يحافظ كلام الرئيس الشرع على ثوابت تتعلق بالسيادة، خصوصاً في ما يخص الجولان السوري المحتل، مع التأكيد على أن هذا الملف لا يخضع للتنازل، ومع الإشارة في الوقت نفسه إلى إمكانية مقاربات طويلة الأمد تتعلق بالترتيبات الأمنية أو السياسية بما يضمن الحقوق ويمنع الانزلاق نحو تصعيد جديد، وسط إبقاء الباب مفتوحاً أمام حلول مستقبلية إذا توافرت الظروف المناسبة.
في المحصلة، يظهر تحليل الرئيس الشرع منهج عمل كامل لإعادة رسم صورة سوريا ودورها، عبر تقليل التوترات وبناء مساحة حركة أوسع في الإقليم، غير أن نجاح هذا المسار يبقى مرتبطاً بقدرته على مواصلة الخطوات العملية القادرة على تثبيت هذا التحول على أرض الواقع، بما ينعكس على الاستقرار الداخلي والعلاقات الخارجية في آن واحد.
الوطن – أسرة التحرير








