لم يعد خافياً أن المشهد الاقتصادي السوري بات يرزح تحت وطأة الارتجال في صنع القرار، وهو ما جعل النتائج المحققة لخطط العمل الحكومي تلامس حدود الصفرية في كثير من الملفات.
إن سياسة رد الفعل التي تتبعها الجهات المعنية عند مواجهة أي أزمة طارئة، أدت إلى سلسلة من القرارات المتناقضة في منع الاستيراد تارة وفتح التصدير تارة أخرى، دون دراسة وافية لأثر ذلك على توازن السوق تكون النتيجة الحتمية خلق فجوات في العرض تؤدي إلى قفزات جنونية في الأسعار، وتحميل المواطن أعباء إضافية تتجاوز طاقته، فضلاً عن منح ضوء أخضر غير مباشر لسيطرة فئة محدودة من التجار على مفاصل السوق تحت ذريعة الندرة.
هذا التخبط لم يتوقف عند حدود السلع، بل امتد ليصيب سوق الصرف في مقتل، إذ إن قرارات الاستيراد المفاجئة دفعت الطلب نحو السوق الموازية لتأمين القطع، ما زاد من وتيرة التضخم.

وبالتوازي، يواصل المصرف المركزي سياسة حبس السيولة كأداة وحيدة لكبح سعر الصرف، وهو إجراء أثبتت الوقائع آثاره الكارثية على قطاع المصارف وبيئة الأعمال، حيث أدى إلى تجفيف شريان التمويل عن قطاع الإنتاج الذي يمثل الرافعة الأساسية لأي تعاف حقيقي، وبدلاً من البحث عن طرق تمويلية مبتكرة تدعم المصنعين، بقينا رهينة سياسات نقدية انكماشية قتلت روح المبادرة الصناعية في مهدها.
وفي قطاع الطاقة، فقد جاء قرار رفع أسعار الكهرباء بصورة غير مدروسة ليضع المسمار الأخير في نعش القدرة الشرائية؛ إذ لم يؤخذ بالحسبان التناسب الطردي بين فاتورة الطاقة ودخل المواطن، ولا حتى أثرها على كلف الإنتاج الصناعي والزراعي.
إن غياب التخطيط المسبق وآليات الدعم الذكية جعل من هذه القرارات جباية أكثر منها إصلاحاً، ما أدى إلى تآكل الثقة في الفعاليات الاقتصادية والاجتماعية على حد سواء.
هذا الأمر يتطلب اليوم، وبشكل عاجل، اعتماد مناهج اقتصادية مؤسساتية تقوم على التنبؤ والمشاركة مع الفعاليات الإنتاجية والخبرات الأكاديمية قبل إقرار أي تشريع، والانتقال من عقلية إدارة الأزمة إلى عقلية بناء الاقتصاد يقتضي ربط السياسة النقدية بالسياسة المالية والإنتاجية ضمن رؤية موحدة، فالاقتصاد لا يدار بالارتجال أو بحبس الأموال، بل بتحفيز الإنتاج وضمان استقرار التشريعات، والتوقف عن إصدار القرارات خلف الأبواب المغلقة دون دراسة أثرها على معيشة الناس، ليكون المواطن هو الغاية من التنمية لا الممول الوحيد لإخفاقات التخطيط.







