في كل مرة يصدر فيها قرار إداري أو نقدي عن المصرف المركزي، تعود ذات الظاهرة إلى الواجهة، تضخيم مفرط وتحميل القرار أكثر مما يحتمل، وكأن الاقتصاد السوري يقف على حافة انفراج كبير بانتظار تفصيل إجرائي صغير، هذه المرة كان تمديد مهلة استبدال العملة لشهر إضافي قرار في جوهره تقني تنظيمي هدفه تسهيل العملية ومنح شريحة أوسع من المواطنين الوقت الكافي لا أكثر ولا أقل.
لكن ما جرى بعد صدور القرار يكشف مرة جديدة عن خلل عميق في طريقة مقاربة الشأن الاقتصادي إعلامياً وتحليلياً، حيث تحولت الخطوة إلى ما يشبه الاحتفال الخطابي، وتم تسويقها كمنعطف نقدي قادر على دعم سعر الصرف أو منح الليرة جرعة استقرار أو حتى تحريك عجلة الاقتصاد، وهي استنتاجات لا تستند إلى أي أساس علمي أو واقعي.
استبدال العملة بحد ذاته لا يخلق قيمة اقتصادية، ولا يُحسّن مؤشرات الإنتاج ولا يعالج اختلالات السوق، هو ببساطة إجراء فني لإدارة الكتلة النقدية بشكل أكثر كفاءة، أما الاستقرار النقدي فهو نتيجة مباشرة لعوامل أعمق في مقدّمتها الإنتاج الحقيقي، التصدير، تدفّق القطع الأجنبي، ومستوى الثقة العامة بالاقتصاد وهذه عناصر لا يمكن اختزالها بقرار تمديد إداري مهما كانت أهميته الإجرائية.

المشكلة لا تكمن فقط في التهويل الإعلامي، بل في تحوّل بعض المنابر إلى أدوات إعادة إنتاج للخطاب ذاته من دون تمحيص أو مساءلة، وهو ما يطرح تساؤلات جدية، حول دور الخبراء والمحللين الذين يُفترض أنهم يُشكلّون خط الدفاع الأول عن المهنية الاقتصادية.
فإذا كان غير المتخصّص يكرّر ما يسمع فكيف يمكن تبرير انزلاق بعض الأكاديميين إلى السطحية نفسها؟!.
إن أخطر ما في هذا النمط من التناول ليس فقط تضليل الرأي العام، بل خلق توقعات غير واقعية لدى شريحة واسعة من الناس، وخاصة الفئات الأكثر هشاشة التي تبحث عن أي مؤشر إيجابي يتعلّق بتحسّن معيشتها، وهنا يصبح الوهم عبئاً إضافياً يُضاف إلى أعباء الواقع.
المطلوب اليوم ليس التقليل من أهمية القرارات الإجرائية، بل وضعها في سياقها الصحيح وفصل ما هو تقني عما هو اقتصادي حقيقي، فالتعافي لا يصنعه تمديد مهلة، بل تصنعه عجلة إنتاج تدور وسياسات واضحة تعيد التوازن بين النقد والاقتصاد الحقيقي، من دون ذلك سنبقى ندور في حلقة من القرارات الصغيرة والتفسيرات الكبيرة التي لا تُغيّر في جوهر الأزمة شيئاً.







