تتوالى في الآونة الأخيرة مواقف دولية داعمة لسوريا، لتعكس ما يمكن وصفه بالتحول المتنامي في التعاطي مع البلاد، بعدما بدأت ملامح المرحلة الجديدة تفرض نفسها على النقاش السياسي الدولي.
فمن واشنطن إلى موسكو وباريس، مروراً بالأمم المتحدة وعدد من العواصم، تبرز مواقف تؤكد دعم استقرار سوريا ووحدتها، وتشجع مسارها السياسي والتعافي الاقتصادي، في وقت تتجه فيه دول عدة إلى إعادة بناء قنوات التعاون معها.
في هذا السياق، جاءت جلسة مجلس الأمن الدولي حول سوريا، اليوم الخميس، لتشكل إحدى أبرز المنابر التي ظهر فيها هذا الدعم بصورة واضحة، سواء عبر المواقف السياسية أم الترحيب بخطوات الانفتاح الاقتصادي، إلى جانب التأكيد على ضرورة احترام سيادة البلاد وسلامة أراضيها.
خلال الجلسة، قال نائب المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى سوريا كلاوديو كوردوني: إن “وتيرة التعافي في سوريا تتسارع”، مشيراً إلى أن الحكومة “تقوم بخطوات جيدة نحو تعزيز الاستقرار والتنمية”.
وحظي قرار الولايات المتحدة إلغاء تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب بحيز واسع من النقاش، إذ اعتبر كوردوني أن هذه الخطوة “تهيئ الظروف لتحقيق التعافي الاقتصادي والاستثماري المنشود”، بينما وصفت المندوبة الأميركية القرار بأنه” خطوة تاريخية”، وقالت: إن رفع القيود “من شأنه أن يطلق العنان لفرص التجارة والاستثمار”.
وترى مصادر سياسية متابعة في دمشق أن هذه المواقف تحمل أهمية إضافية “لأنها تأتي بالتوازي مع مؤشرات على تغير البيئة السياسية المحيطة بسوريا”، إذ إن كوردوني رحب بالتقدم الذي تحقق في الاجتماع بين الرئيس أحمد الشرع ومظلوم عبدي نحو “التكامل الأمني والإداري”.
وتعتبر المصادر أن هذه الإشارة تكشف أن الدعم الدولي يرتبط بصورة متزايدة بقدرة السوريين على معالجة الملفات الداخلية وتثبيت وحدة مؤسسات الدولة.
ولابد من التطرق إلى الجانب الإنساني، فقد عرض القائم بأعمال الأمين العام المساعد لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إندريكا راتوات مؤشرات وصفها بالمشجعة، بينها “عودة السوريين إلى ديارهم وتحسن الإنتاج الزراعي وقطاعات الطاقة والنقل”.
لكنه شدد في الوقت نفسه على أن عودة اللاجئين والنازحين “لا تعني نهاية الحاجة الإنسانية”، لافتاً إلى وجود “أكثر من 5.5 ملايين” نازح داخل سوريا.
بالتوازي، بدت المواقف السياسية أكثر تقارباً حول ضرورة دعم مؤسسات الدولة ووحدة البلاد، وقال المندوب الروسي فاسيلي نيبنزيا: إن إنشاء مجلس الشعب “من شأنه تعزيز وحدة الجمهورية العربية السورية”.
كما أكد المندوب الفرنسي جيروم بونافو العمل من أجل “سوريا دولة موحدة وديمقراطية تستند إلى احترام سيادة القانون وحقوق الإنسان. كما رحبت اليونان وبنما والصومال بالتقدم السياسي، وشددت على أهمية السيادة ووحدة الأراضي.
ملف الانتهاكات الإسرائيلية كان حاضراً بقوة خلال الجلسة، إذ أكد كوردوني أن الوجود الإسرائيلي شرق خط وقف إطلاق النار “يشكل انتهاكاً لسيادة سوريا أراضيها”، فيما قالت مندوبة لاتفيا: إن الضربات الإسرائيلية الأخيرة تثير “مخاوف عميقة”.
بناء على ما تقدم، تشير حصيلة الجلسة إلى أن الدعم المتجدد لسوريا يستند إلى مجموعة عوامل مترابطة، ولا سيما تحسن المؤشرات الأمنية والسياسية، وخطوات الانفتاح الدولي، وفرص التعافي الاقتصادي، وعودة جزء من السوريين إلى مناطقهم.
لكن الاختبار الحقيقي هنا يكمن في القدرة على تثبيت هذا المسار وتحويل التأييد الدولي إلى خطوات عملية في الاستثمار وإعادة الإعمار، وترسيخ مؤسسات الدولة، وضمان عودة آمنة ومستدامة.
أسرة التحرير









