أكد الدكتور عبدالرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، أن مقابلة الرئيس أحمد الشرع مع قناة الجزيرة تمثّل لحظة تأسيسية في رسم الملامح الاقتصادية لسوريا في مرحلة ما بعد الصراع، إذ تستند الرؤية التي طرحها الرئيس إلى إعادة تعريف مفهوم السيادة من منظور المصالح الاقتصادية المتبادلة، بعيداً عن منطق القطيعة الجيوسياسية، وهو ما يعكس توجّهاً نحو بناء علاقات خارجية قائمة على تحقيق المكاسب الاقتصادية مع مختلف الشركاء، وتنسجم هذه الرؤية مع ما أعلنه الرئيس خلال المقابلة بشأن فتح صفحة جديدة مع روسيا، والانفتاح على مختلف الأطراف الدولية، وربط التعافي الاقتصادي بإعادة الإعمار والاستثمار، وأوضح محمد، في تصريح لـ”الوطن”، أنه ينظر إلى هذه الرؤية من زاوية قدرة الدولة على تحقيق توازن دقيق بين الحفاظ على الشراكات التقليدية، وفي مقدّمتها روسيا، وبين عدم الإضرار بفرص الانفتاح على شركاء جدد، إضافةً إلى قدرة الاقتصاد السوري على الانتقال من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد إعادة الإعمار والعبور.
شراكة اقتصادية قائمة على المصالح
وفي قراءته لحديث الرئيس عن العلاقة مع روسيا، رأى محمد أن هذه الشراكة يجب أن تُبنى وفق نموذج تعاقدي براغماتي يقوم على المصالح المتبادلة، لا على التبعية، لافتاً إلى أنه في قطاع الطاقة يمكن منح الشركات الروسية عقوداً طويلة الأجل للتنقيب والتطوير في مناطق محدّدة، ولا سيما في البحر المتوسط والبادية، مع الإبقاء على ملكية البنية التحتية للطاقة بيد الدولة السورية، وضمان إمكانية تصدير الإنتاج مستقبلاً إلى الأسواق الأوروبية عبر الوساطة الروسية.

وأضاف: إن التعاون في مجال الأمن الغذائي يمكن أن يتطور من خلال اتفاقيات حكومية لاستيراد القمح والأسمدة الروسية بأسعار تفضيلية ترتبط بعقود إعادة الإعمار، بما يمنح سوريا هامشاً تفاوضياً أوسع، ويحدّ من تأثير القيود والعقوبات الغربية.
وأشار إلى أن نجاح هذا التوجّه يتطلب الفصل الواضح بين الملفين العسكري والاقتصادي في الخطاب الرسمي، بحيث تُقدَّم الاستثمارات الروسية بوصفها استثمارات تجارية تخضع للقانون السوري، الأمر الذي يسمح لدمشق بالحفاظ على علاقاتها الاقتصادية مع موسكو، من دون أن يُشكّل ذلك عائقاً أمام تعزيز التعاون مع الدول الأوروبية والعربية.
الإعمار يبدأ ببناء مؤسسات الدولة
وفيما يتعلق بإعادة الإعمار، أكد محمد أن الانتقال من مرحلة الإغاثة إلى مرحلة الإعمار لا يبدأ بإطلاق المشاريع الكبرى، وإنما بإعادة بناء ما وصفه بـ”النواة الصلبة للدولة الاقتصادية”، وهي الحلقة التي لا تزال تحتاج إلى استكمال. وبيّن أن الأولوية تتمثّل في إعادة بناء الثقة بالمؤسسات الاقتصادية عبر مصرف مركزي مستقل قادر على تعزيز استقرار سعر الصرف، وإقرار موازنة عامة أكثر شفافية تعتمد بصورة أكبر على الإيرادات الضريبية، إلى جانب تطوير قضاء تجاري سريع وفعّال يمنح المستثمرين الثقة بالبيئة الاستثمارية.
كما شدّد على أهمية إصدار حزمة تشريعات عاجلة تسهّل عودة السوريين، وفي مقدّمتها قوانين تنظّم الملكية العقارية وتحسم النزاعات، وتقديم تسهيلات جمركية لاستيراد المعدّات الصغيرة، إلى جانب إطلاق برامج تشغيل كثيفة العمالة في مشاريع البنية التحتية.
وأضاف إن نجاح أي مشاريع استثمارية كبرى يبقى مرهوناً بوجود إدارات محلية تمتلك القدرة على التخطيط والإشراف وإصدار التراخيص، مؤكداً أن سوريا تمتلك مقومات النهوض، إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في بناء المؤسسات القادرة على تحويل المساعدات إلى تنمية مستدامة، وهو ما يشكل الفارق الأساسي بين مرحلتي الإغاثة وإعادة الإعمار.
الموقع الجغرافي فرصة اقتصادية استراتيجية
ورأى محمد أن الموقع الجغرافي لسورية يمكن أن يتحول إلى أحد أسرع مصادر الدخل نمواً إذا نجحت الدولة في استعادة دورها كمحور إقليمي للطاقة والخدمات اللوجستية، وأوضح أن ذلك يتطلب العمل بالتوازي على إعادة تأهيل ممرات الطاقة الإقليمية، وفي مقدمتها خط الغاز العربي، وطرح مشاريع جديدة لنقل الطاقة عبر الأراضي السورية، مستفيدين من الخبرات الدولية في التمويل والتنفيذ. كما دعا إلى تطوير مرفأي طرطوس واللاذقية وتحديث بنيتهما الرقمية، وربطهما بمناطق صناعية حرة على الحدود العراقية والأردنية عبر شبكة سكك حديدية حديثة، بما يعزز دور سوريا كمركز إقليمي للنقل والترانزيت.
وأكد أن نجاح هذه المشاريع يبقى مرتبطاً بتوافر الاستقرار الأمني والتعافي المبكر للمناطق الواقعة على خطوط النقل الدولية، إلى جانب ضمان الاعتراف الدولي بسيادة سوريا على ممراتها البرية والبحرية، باعتبار أن ذلك يمثل الشرط الأساسي لتدفق الاستثمارات طويلة الأجل. التحدي الحقيقي هو الحوكمة الاقتصادية.
وختم محمد بالتأكيد أن الرؤية الاقتصادية التي طرحها الرئيس الشرع تعكس إدراكاً بأن التعافي الاقتصادي لا يبدأ بالمشروعات العملاقة، وإنما ببناء سيادة اقتصادية مرنة قادرة على تحقيق التوازن بين المصالح الدولية المختلفة.
وأضاف إن التحدي الأكبر لا يكمن في وضع الاستراتيجيات، بل في معالجة فجوة الحوكمة الاقتصادية التي لاتزال تعاني منها مؤسسات الدولة، مشيراً إلى أن نجاح سوريا خلال المرحلة المقبلة سيعتمد على قدرتها في التحول من ساحة للصراعات إلى مساحة للمصالح المشتركة، عبر استعادة ثقة المواطن، وتشجيع رأس المال الوطني، وتهيئة بيئة قانونية ومؤسساتية مستقرة تجذب المستثمرين الأجانب.
وختم بالقول إن الإرادة السياسية التي عكستها مقابلة الرئيس تمثل نقطة انطلاق مهمة، إلا أن نجاحها سيبقى مرهوناً بسرعة ترجمتها إلى برامج تنفيذية واضحة، تقودها مؤسسات كفؤة وحكومة قادرة على الوفاء بالتزاماتها الاقتصادية.








