مع قرب حلول شهر رمضان المبارك، تلبس العاصمة السوريّة حلّة زاهية تمزج بين عبق التاريخ وروحانيات الشهر الفضيل، لتروي حكاية شعب جمع بين التقاليد العريقة والتجديد المعاصر في استقبال ضيف ينتظره السوريون بكل شوق وحب، ورغم أن لكل حاضرة من حواضر العالم الإسلامي قصة مع رمضان، إلا أن لدمشق حكاية خاصة تفوح منها نفحات الإيمان.
زينة وتراث
قبل أيام من حلول الشهر المبارك، تبدأ دمشق في ارتداء حلتها الرمضانية، حيث تتزين شوارعها وأزقتها بالفوانيس الملونة والزينات البراقة، وتتلألأ مساجدها الضاربة في التاريخ بالأنوار التي تنعكس على جدرانها العتيقة، لتضفي على المكان أجواء روحانية تملأ القلوب بالخشوع والإيمان.

كما تعج الأسواق بالحركة والنشاط، إذ يتوافد السكان لشراء مستلزمات الشهر الكريم من الأطعمة والمشروبات والحلويات، وتبادل التهاني والتبريكات بقدومه.
ومن غير المعقول أن يمر رمضان لدى معظم السوريين من من دون الزينة والفوانيس، فتتزين الشوارع وواجهات المحال، وكذلك البيوت أيضاً، ولا سيما المطبخ، حيث تمضي السيدات وربات المنازل معظم ساعات يومهن في تحضير الطعام والحلويات، لعكس أجواء احتفالية تشجع على المشاركة والاحتفال، وتسهم في خلق بيئة جميلة ومحفزة.
وتعد زينة شهر رمضان من التقاليد القديمة التي تحمل في طياتها رموز الضيافة والكرم، وتعبّر عن الفرح باستقبال الشهر الكريم، وقد تطورت هذه الزينة مع الزمن وأصبحت متنوعة ومبتكرة، يُستخدم فيها الأضواء الملونة والزخارف الفنية الحديثة، ما يجعلها مزيجاً من التقاليد والعناصر الجديدة، من الهلال الخشبي إلى الكرة المضاءة..
صوت لا يزال حياً
بصوت حنون، وزي عربي متواضع، يحمل طبلاً بحافة مكسورة، وفي يده الأخرى سلة من الخيزران، يجوب “المسحراتي” الشوارع والأحياء في معظم المدن السورية ليوقظ أهلها وقت السحور، وهو شخص يتطوع لإيقاظ الآخرين، ومع تقدم الحياة وتطور الأجهزة الإلكترونية، كان بالإمكان الاستغناء عنه، لكن الأهالي ما زالوا ينتظرونه كل ليلة بحب، ليستأنسوا بصوت طبله، وهم مجهزون له الأطباق.
“يا نايم وحد الدايم”.. بهذه العبارة يفتتح “المسحراتي” دعوته للناس كي يستيقظوا ويحضروا للسحور قبل أذان الفجر، قبل أن يبدأ بتلاوة أدعية وإنشاد أناشيد إسلامية. ولكل حي “مسحّر” معروف من الأهالي، وفي العيد يتم تخصيص مبلغ معين له كمكافأة على عمله.
العائلة والتكافل
يرى السوريون في شهر رمضان فرصة سانحة للاجتماع وتبادل الزيارات، ولا سيما في اليوم الأول منه عند كبير العائلة، وتجتمع كل العائلات في بيت الجد عادة، وتتعاون الإناث على تحضير طعام الإفطار المكون من أصناف عديدة، تجمع ما لذ وطاب من المأكولات والمشروبات، وتنتهي باجتماع كل الأفراد على المائدة، في عادة لم تتغير منذ عشرات السنين.
ولـ”سكبة رمضان” نكهة خاصة عند السوريين، إذ تعمد العائلات خلال الشهر إلى الإكثار من الطعام حتى وإن كانت العائلة صغيرة، لإرسال عينة من طبق الطعام لكل يوم إلى الجيران قبل موعد الإفطار.
مائدة رمضان
مع قدوم شهر رمضان، تتغير الأطعمة التقليدية في الأسواق إلى أطعمة ومأكولات رمضانية، إذ ينتشر التمر، ثم تنتشر المشروبات كالعرقسوس والتمر هندي والجلاب، إضافة إلى أنواع حلويات مفضلة لدى الناس كالقطايف والمشبك ولفائف قمر الدين.
وفي أحياء دمشق، ينتشر “الناعم” في رمضان، وهو عبارة عن خبز مشروح مقلي ومضاف إليه دبس العنب أو دبس التمر، وغالباً ما ترى أهالي دمشق يحملونه إلى منازلهم قبل الإفطار.








