المزيد

‫آخر الأخبار:‬

سوريا… ثبات في الموقف واتساع بدائرة الدعم الدولي

‫شارك على:‬
20

توسع الإدانات العربية والدولية للاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية يمكن قراءته بوصفه مؤشراً إلى تنامي الدعم لمبدأ احترام سيادة سوريا وقرارات الشرعية الدولية والقانون الدولي، فموجة الاستنكار والتنديد الواسعة التي أعقبت استهداف مطار أبو الظهور العسكري ليست الأولى من نوعها، لكنها تبدو من الأوسع، في ظل تزايد السخط من الممارسات الإسرائيلية التي لا تهدد سوريا وحدها، وإنما تضيف عوامل جديدة إلى بيئة إقليمية شديدة الهشاشة وقابلة للاشتعال.
وربما الأهم أن هذا الرفض يتزامن مع تنامي الاقتناع لدى العديد من القوى الدولية بأن سوريا الجديدة تتعامل مع المرحلة الراهنة بسياسة تقوم على التوازن والاتزان، بعيداً عن منطق الأحلاف والتكتلات والاستقطاب، وبما يجعل الحفاظ على الاستقرار أولوية تتقدم على الدخول في مواجهات مفتوحة، في خطوة ترى فيها مصادر سياسية متابعة انها تعكس، إلى حد بعيد، تحولاً في طريقة النظر إلى المشهد السوري نفسه، مع الإشارة الى أن أي محاولة لفرض وقائع جديدة بالقوة على أراضيها تحمل مخاطر تتجاوز حدودها إلى إقليم مثقل أصلاً بالتوتر والانقسامات.
في هذا السياق، تأتي سياسة ضبط النفس التي اعتمدتها سوريا في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية خياراً سياسياً محسوباً، فمنذ الثامن من كانون الأول 2024، وعلى الرغم من القصف والتوغلات التي قامت بها إسرائيل في الأراضي السورية، اختارت دمشق عدم الانجرار إلى ردود يمكن أن تفتح مساراً تصعيدياً يصعب احتواؤه، وتعد المصادر أن هذا النهج يكتسب أهمية خاصة “في منطقة يمكن لحادث أمني واحد أن يتحول سريعاً إلى مواجهة أوسع، بما يضاعف الفوضى ويفتح المجال أمام أطراف عديدة لاستثمارها”.
وهنا، لا بد من الإشارة إلى الرسالة التي وجهتها سوريا إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ورئيسة مجلس الأمن كريستينا لاسن، التي تظهر بوضوح هذا الخيار، فدمشق لم تضع الاعتداء الأخير على مطار أبو الظهور في إطار رد فعل منفصل، بل ربطته بمسار أوسع يتعلق بأمن المنطقة ومستقبل الاستقرار فيها، مؤكدة أن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية “يعد عرقلة متعمدة لمسار التفاهمات وإرساء الأمن في المنطقة، بل ويهدد بجرها نحو المزيد من التوتر وعدم الاستقرار”.
ويبدو أن الرسالة السياسية التي تريد سوريا إيصالها تكمن في أنها تحاول الفصل بين الدفاع عن سيادتها وبين الانخراط في دوامة ردود الفعل التي قد تجعل أراضيها ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية، وفي الوقت نفسه، فإن ضبط النفس لا يعني التخلي عن الحقوق، وهو ما تؤكده الرسالة حين تشدد على أن السعي إلى أن تكون سوريا “ركيزة للأمان والاستقرار” لا يتعارض مع حقها في الدفاع عن حقوقها ومصالحها الوطنية بالوسائل المشروعة التي تكفلها القوانين والأعراف الدولية.
وحسب المصادر المتابعة، فإن دمشق تحاول من خلال هذا المسار، تثبيت معادلة سياسية مختلفة فحواها دولة تستعيد حضورها وتعيد بناء مؤسساتها، وتتعامل مع الملفات الحساسة بالتنسيق مع الأمم المتحدة، وتعمل على ضبط حدودها ومكافحة الإرهاب وتهيئة الظروف لعودة اللاجئين، وفي الوقت نفسه ترفض أن تتحول هذه المرحلة الانتقالية إلى فرصة لفرض وقائع عسكرية جديدة عليها، ولذلك جاء استهداف المطار، وفق القراءة السورية، متناقضاً مع الجهود المبذولة لإعادة تثبيت الأمن، ولا سيما أن العالم نفسه، كما توضح الرسالة، يطلب من سوريا مواصلة الاضطلاع بدورها في منع الفوضى العابرة للحدود.
وبناء على ما تقدم، يصبح اتساع الرفض للاعتداءات الإسرائيلية مؤشراً مهماً، ليس بالضرورة على اصطفاف دولي كامل إلى جانب دمشق، وإنما على اتساع المساحة التي تحظى فيها قاعدة احترام السيادة ورفض تغيير الوقائع بالقوة، وقد يكون هذا هو الرصيد الأهم الذي تسعى سوريا إلى تكريسه من خلال إدارة الخلافات بهدوء، وتجنب توسيع دائرة النار، وتحويل ضبط النفس من موقف دفاعي إلى سياسة قادرة على حماية استقرار المنطقة ومنع انزلاقها مجدداً إلى فوضى مفتوحة.

أسرة التحرير

مواضيع: