لم تكن الغارات الإسرائيلية على مطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب الشرقي استثنائية من حيث حجم الأضرار التي خلفتها، بقدر ما تكتسب أهميتها من السياق السياسي الذي جاءت فيه، ومن طبيعة الرسالة التي تحملها، سواء أرادت إسرائيل توجيهها إلى دمشق أم إلى محيطها الإقليمي والدولي.
فاستهداف منشأة عسكرية محدودة الاستخدام، وفي وضع لا تبدو فيه ذات قيمة عسكرية كبيرة، يطرح سؤالاً يتجاوز الجدوى الميدانية للغارة إلى دلالتها السياسية، إذ يبدو أن إسرائيل تريد تأكيد احتفاظها بقدرة الوصول إلى أي موقع داخل سوريا، في وقت تمضي فيه الدولة السورية الجديدة في إعادة بناء مؤسساتها وترميم قدراتها العسكرية وتوسيع علاقاتها الإقليمية والدولية.
ومن هذه الزاوية تحديداً يمكن فهم الاستهداف باعتباره محاولة للتأثير في مسار التحول السوري أكثر من كونه عملية عسكرية ذات أهداف ميدانية مباشرة.
غير أن الحساب الإسرائيلي يصطدم بمتغير أساسي: البيئة السياسية التي تتحرك فيها إسرائيل تجاه سوريا لم تعد هي ذاتها التي اعتادتها خلال السنوات الماضية، فدمشق لا تتعامل مع الاعتداءات بمنطق فتح جبهة جديدة، بل تؤكد تمسكها بالمسار الدبلوماسي وبالتفاهمات الأمنية، وفي الوقت نفسه ترفض المساس بسيادتها ووحدة أراضيها، وهذا المزيج بين ضبط النفس والتمسك بالحقوق الوطنية يمنح سوريا مساحة سياسية أوسع في مواجهة التصعيد الإسرائيلي.
وتظهر أهمية هذا التحول بوضوح أكبر عند النظر إلى ردود الفعل العربية والدولية على الغارة، فقد توالت المواقف الرافضة للاستهداف، من الأردن والسعودية ومصر وقطر والكويت وتركيا، إلى مجلس التعاون الخليجي، في تأكيد متقارب على سيادة سوريا ووحدة أراضيها ورفض الاعتداءات الإسرائيلية، ولا تكمن أهمية هذه المواقف في عددها فقط، بل في دلالتها السياسية: استقرار سوريا لم يعد شأناً سورياً منفرداً، وإنما أصبح جزءاً من حسابات الاستقرار الإقليمي.
لكن التطور الأكثر دلالة جاء من واشنطن، فالمبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس باراك لم يكتف بالدعوة إلى التهدئة، بل وصف الغارات بأنها “تصعيد غير ضروري” لا يعزز الاستقرار الإقليمي، مؤكداً أن الحكومة السورية لم تتبنّ موقفاً عدائياً وأنها أبدت مراراً رغبتها في خفض التصعيد، وهذا الموقف لا يعني، بطبيعة الحال، تحولاً في طبيعة العلاقة الإستراتيجية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، لكنه يكشف أن هامش الحركة الإسرائيلية في الملف السوري لم يعد مفتوحاً بالقدر الذي كان عليه سابقاً.
ولا يمكن فصل ذلك عن الحسابات الداخلية الإسرائيلية، فحكومة بنيامين نتنياهو تتحرك وسط ضغوط سياسية وأمنية متراكمة، وفي مثل هذه البيئة يمكن للعمليات العسكرية أن تؤدي وظيفة داخلية تتجاوز أهدافها الميدانية، عبر إظهار القدرة على المبادرة والحفاظ على صورة القوة، لكن تحويل الساحة السورية إلى مساحة لتصدير الأزمات الداخلية لا يضمن بالضرورة تحقيق مكاسب إستراتيجية، وقد يؤدي في المقابل، إلى توسيع الاعتراض الإقليمي والدولي على السياسة الإسرائيلية.
لهذا، فإن قيمة استهداف أبو الظهور لا تكمن في المطار نفسه، ولا في حجم الأضرار التي لحقت به، وإنما فيما كشفته الغارة عن تغير المشهد المحيط بسوريا، إسرائيل ما زالت قادرة على الضرب، لكن قدرتها على تحويل الضربة إلى مكسب سياسي لم تعد مضمونة كما كانت، وفي المقابل، تبدو دمشق أكثر قدرة على تحويل ضبط النفس إلى رصيد سياسي، مستفيدة من اتساع دائرة التضامن معها ومن تزايد القناعة الإقليمية والدولية بأن استقرار سوريا مصلحة تتجاوز حدودها.
أسرة التحرير






