المزيد

‫آخر الأخبار:‬

سوريا… سلة غذاء المنطقة فماذا ينقصنا؟

‫شارك على:‬
20

أحياناً لا نحتاج إلى من يخبرنا بما نملك، بقدر ما نحتاج إلى من يوقظ فينا القدرة على رؤية ما نملك.

في مقالٍ سابقٍ لنا، توقّفنا عند حقيقةٍ كثيراً ما نغفل عنها ونحن نتحدث عن مستقبل سوريا أن هذا البلد، رغم ما أصابه خلال السنوات الماضية، لا يزال يمتلك مقوّمات اقتصادية وثروات طبيعية واسعة؛ من الأراضي والموارد الزراعية، إلى المقوٍمات الصناعية، وصولاً إلى النفط والغاز، وغيرها من الموارد التي يمكن أن تُشكّل قاعدة حقيقية لإعادة بناء الاقتصاد السوري.

واليوم يأتي تصريح وزير الخارجية الدنماركي ليضع جانباً من هذه الحقيقة أمامنا من زاوية أخرى، حين يتحدّث عن امتلاك سوريا الإمكانات التي تؤهّلها لأن تصبح سلة غذاء للمنطقة، واستعداد بلاده للمساعدة في تحقيق ذلك.

وهنا لا ينبغي أن نتعامل مع التصريح باعتباره مجرد خبر سياسي، بل باعتباره فرصة لنسأل أنفسنا سؤالاً أعمق: إذا كانت سوريا تملك الأرض والماء والثروة الزراعية، وتمتلك إلى جانب ذلك موارد صناعية ونفطية وغازية، فأين تكمن المشكلة إذن؟

ربما تكمن المشكلة في أننا اعتدنا خلال سنوات طويلة أن ننظر إلى هذه الموارد، كلٌّ على حدة، بينما الاقتصاد القوي ينظر إليها باعتبارها أجزاءً من صورة واحدة.

فالأرض الزراعية ليست مجرد مساحة نزرعها، والنفط والغاز ليسا مجرد مورد نستخرجه ونبيعه، والمصنع ليس مجرد بناء وآلات؛ القيمة الحقيقية تظهر عندما تتحوّل هذه الإمكانات إلى إنتاج، وعندما يجد هذا الإنتاج طريقه إلى الأسواق، وعندما يعود جزء من عائداته إلى تطوير الإنتاج من جديد.

ولذلك فإن عبارة «سلة غذاء المنطقة» تستحق أن نتوقف عندها، ليس باعتبارها شعاراً جميلاً، وإنما باعتبارها مشروعاً يمكن التفكير فيه بجدية. سوريا لا تملك فقط القدرة على زراعة المحاصيل، وإنما تملك تنوّعاً زراعياً يمكن أن يكون أساساً لصناعات غذائية واسعة، من التعليب والتجفيف والتوضيب إلى الصناعات المرتبطة بالزيوت والحبوب والفواكه والخضر وغيرها. وكلما انتقلنا من بيع المحصول بصورته الأولية إلى تصنيعه وتطويره، ارتفعت قيمته وازدادت الفائدة التي يمكن أن تعود على الاقتصاد والمزارع والمستثمر والعامل.

وهنا يصبح الفلاح جزءاً من قصة أكبر من أرضه ومحصوله؛ فحين يجد أمامه سوقاً مستقرّة، ومصانع تستوعب إنتاجه، وخدمات نقل وتخزين مناسبة، وتمويلاً يساعده على تطوير عمله، فإنه لا يبقى يعمل فقط من أجل موسم ينتهي بانتهائه، وإنما يصبح شريكاً في قطاع اقتصادي له مستقبل واضح.

ولعل هذا هو المكان الذي يمكن أن تكون فيه المساعدة التي تحدّث عنها الوزير الدنماركي ذات معنى حقيقي.

فالسوريون لا يحتاجون إلى من يزرع أرضهم بدلاً منهم، وإنما يمكن أن يستفيدوا من الخبرات والتقنيات الحديثة، ومن تجارب الدول التي طوّرت زراعتها ورفعت إنتاجيتها، ومن الشركات التي تستطيع أن تستثمر في التصنيع والتخزين والتسويق.

والأهم أن تتحوّل مثل هذه المساعدة إلى شراكات ومشروعات تبني قدرة سوريا على الاستمرار، لا إلى مساعدات تنتهي بانتهاء المشروعات.

وهذا النوع من التعاون يمكن أن يفتح أبواباً أوسع مما نتصوّر.

فعندما يتطوّر الإنتاج الزراعي، تظهر الحاجة إلى الصناعات الغذائية، وإلى مستلزمات الإنتاج والآلات، وإلى النقل والتخزين والتبريد، وإلى الخبرات والتسويق والتصدير. وهكذا يمكن لمشروعات تبدأ من حقل صغير أن تخلق حولها سلسلة من الأعمال والفرص التي يستفيد منها عدد كبير من الناس.

لكن الصورة السورية أكبر من الزراعة، وهذه نقطة لا ينبغي أن تغيب عنا ونحن نتأمل التصريح. فالموارد التي تحدثنا عنها في مقالنا السابق، من الزراعة إلى الصناعة والنفط والغاز، يمكن أن تشكل قاعدة اقتصادية واسعة إذا جرى التعامل معها برؤية واحدة، لا باعتبارها قطاعات منفصلة. والأهم أن يكون الهدف هو بناء اقتصاد ينتج ويصنع ويصدر، بدل أن تظل قيمة كبيرة من موارده خارج دورة الاقتصاد الحقيقي.

وليس المقصود هنا أن الطريق سهل أو أن الإمكانات وحدها كافية؛ فسورية تحتاج إلى إعادة تأهيل شبكات الري، وإلى طاقة مستقرة، وبنية تحتية أفضل، وإلى استثمارات كبيرة، وإلى تطوير الإدارة والأنظمة، وإلى تأهيل الكوادر، وإلى بيئة تساعد المستثمر على العمل، كما تحتاج إلى أسواق تستطيع استيعاب إنتاجها. لكن معرفة هذه الاحتياجات هي بداية الحل، وليست سبباً للتوقف.

واللافت أن سوريا ولله الحمد لا تبدأ من الصفر، فهناك خبرات زراعية وصناعية وتجارية متراكمة، وهناك مناطق عرفت تاريخياً بإنتاج محاصيل مختلفة، وهناك أجيال من السوريين الذين بنوا أعمالاً ونجحوا في أسواق داخل البلاد وخارجها. وما نحتاج إليه اليوم هو أن نوفر لهذه الخبرات والموارد البيئة التي تسمح لها بالعودة إلى العمل والنمو.

وربما يكون هذا هو المعنى الأوسع للتصريح الدنماركي؛ فحين يقول مسؤول أوروبي أن سوريا يمكن أن تكون سلة غذاء للمنطقة، ثم يعلن استعداد بلاده للمساعدة، فهذه ليست دعوة لأن ننتظر من الخارج أن يبني اقتصادنا، وإنما فرصة لأن نبحث عن شراكات تساعدنا على بناء ما نحتاج إليه بأسرع وأكثر كفاءة.

وفي المقابل، علينا أن نعرف ماذا نريد من هذه الشراكات. فليس الهدف أن نستقبل أي مشروعات لمجرد أنه استثمار، ولا أن نبيع مواردنا بأقل من قيمتها، وإنما أن نبحث عن مشاريع تضيف إلى الاقتصاد السوري: تنقل معرفة، وتخلق فرص عمل، وتطور الإنتاج، وتفتح أسواقاً، وتبقى فائدتها في البلاد.

ولعل أجمل ما يمكن أن نخرج به من هذا الحديث هو أن نعيد النظر في الصورة التي نحملها عن سورية. نعم، هناك الكثير مما يحتاج إلى إصلاح، وهناك سنوات ثقيلة ومؤلمة تركت آثارها في الاقتصاد والبنية التحتية وحياة الناس، لكن ذلك كله لا يعني أن البلاد فقدت قدرتها على النهوض.

سورية تملك موارد مهمة، لكنها تحتاج إلى مشروعات من يعرف كيف يجمع هذه الموارد في طريق واحد.

فإذا نجحنا في تطوير الزراعة، ونجحنا في ربطها بالصناعة، واستثمرنا موارد الطاقة بصورة صحيحة، وفتحنا المجال أمام الاستثمار الحقيقي، وأعدنا بناء طرق النقل والأسواق، فإن الحديث عن سوريا منتجة ومصدّرة لن يبقى مجرد أمنية.

وقد لا تكون القضية في النهاية: هل تستطيع سوريا أن تكون سلة غذاء للمنطقة؟

بل ربما يكون السؤال الأهم:

هل نستطيع نحن أن نحوّل ما تملكه سوريا إلى ما تحتاجه سورية؟

فحين يصبح القمح غذاءً، والفاكهة صناعة، والنفط طاقةً وتنمية، والموقع الجغرافي تجارةً، والخبرة السورية مشروعات واستثماراً، عندها فقط تبدأ الموارد بأداء دورها الحقيقي.

وربما تكون هذه هي الرسالة التي ينبغي أن نلتقطها من تصريح الوزير: إن العالم يرى في سوريا فرصاً، وإنَّ علينا نحن أن نرى هذه الفرص أيضاً، وأن نحسن تحويلها إلى واقع.