برزت الاتصالات التي أجراها الرئيس أحمد الشرع خلال الأيام الماضية مع عدد من القادة والمسؤولين اللبنانيين بوصفها مؤشراً واضحاً على عودة سوريا إلى ممارسة دورها الإقليمي الطبيعي كعامل استقرار وتوازن في لحظة شديدة الحساسية، تتسم بتسارع التطورات العسكرية والسياسية العاصفة في المنطقة.
فالمتابع لطبيعة هذه الاتصالات، سواء مع رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، أو مع رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي السابق وليد جنبلاط، أو مع رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميل، يلحظ أنها لم تكن مجرد تواصل بروتوكولي، بل حملت رسائل سياسية ودبلوماسية متعددة الاتجاهات، تتعلق أساساً بإدارة الاستقرار الحدودي، وتعزيز التنسيق بين البلدين في ظل التحديات المتزايدة التي تشهدها المنطقة، ولاسيما مع استمرار التصعيد في جنوب لبنان.
وفي هذا السياق، بدا واضحاً أن دمشق تسعى إلى تثبيت مقاربة جديدة للعلاقات السورية اللبنانية تقوم على مبدأ الاحترام المتبادل بين الدولتين، والتعاون المؤسساتي المنظم بين الحكومتين، بما يفتح الباب أمام مرحلة مختلفة عن عقود من التوتر وسوء الفهم الذي طبع العلاقة بين البلدين خلال حقبة النظام البائد.
ومن أبرز الرسائل التي حملتها هذه الاتصالات تأكيد الرئيس الشرع أن تعزيز انتشار الجيش العربي السوري على الحدود السورية – اللبنانية لا يحمل أي أبعاد تصعيدية، بل يندرج في إطار إجراءات سيادية طبيعية تهدف إلى ضبط الحدود وحماية الأمن الداخلي ومنع استغلال المناطق الحدودية من قبل شبكات التهريب أو الميليشيات العابرة للحدود.
ومن هذا المنظور، فإن تعزيز الانتشار العسكري السوري يمكن قراءته كجزء من معادلة أمنية أوسع هدفها حماية الاستقرار في البلدين معاً، وليس مجرد إجراء أمني داخلي، إذ إن ضبط الحدود السورية اللبنانية ينعكس بطبيعته على الأمن اللبناني أيضاً، ويحد من الأنشطة غير المشروعة التي غالباً ما تتجاوز تأثيراتها الحدود الجغرافية لتطول المجتمعات المحلية في كلا البلدين.
كما أن الاتصالات السياسية التي أجراها الرئيس الشرع حملت بعداً آخر لا يقل أهمية، يتمثل في توجيه رسائل طمأنة واضحة إلى الداخل اللبناني، مفادها أن سوريا الجديدة تنظر إلى لبنان كشريك طبيعي في الاستقرار والتنمية، وليس كساحة نفوذ أو صراع.
وتتجلى أهمية هذه الرسائل في توقيتها أيضاً، إذ تأتي في ظل تصاعد التوتر على الحدود الجنوبية للبنان مع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، ما يجعل التنسيق بين الدولتين أكثر ضرورة لمنع انزلاق المنطقة إلى مزيد من الفوضى.
وفي المحصلة، تعكس هذه التحركات الدبلوماسية السورية إدراكاً عميقاً بأن استقرار المنطقة لم يعد ممكناً عبر المقاربات الأمنية الضيقة وحدها، بل يحتاج إلى شبكة من التفاهمات السياسية والتنسيق الإقليمي.
ومن هنا، يمكن القول إن دبلوماسية الاتصال التي يقودها الرئيس الشرع مع القيادات اللبنانية تشكل خطوة مهمة في مسار إعادة بناء الثقة بين البلدين، وترسيخ معادلة جديدة قوامها أن استقرار سوريا ولبنان ليس خياراً منفصلاً لكل منهما، بل هو معادلة مشتركة تتطلب تعاوناً مستمراً واحتراماً متبادلاً بين الدولتين والشعبين.






