يعد الأديب والسياسي والطبيب والبرلماني عبد السلام العجيلي أحد أهم أعلام القصة والرواية في سوريا والعالم العربي، وقد استطاع بموروث ثقافته وما اكتسبه من قراءاته وأسفاره في حياته أن يخترق كل حدود العالم، ويثبت أن الأدب للإنسانية قاطبة.
ولد العجيلي لأسرة حملت لواء العلم والثقافة والسياسة، فكان الابن البكر لأسرة انتظرت طويلاً ولادته التي شكلت علامةً فارقة في الرّقة، إذ غدا عنوانها وجسرها إلى العالم.. نال الشهادة الثانوية فكان الأول على سوريا، ليدرس الطب في جامعة دمشق، فكان طبيب الرّقة الأول وأديبها ونائبها وسفيرها وبوصلتها وحامل هموم أهلها ومبعث فخرهم.
دور ريادي
تعتبر كتاباته في المجال الأدبي من أغنى وأهم الروايات الأدبية في تاريخ الأدب العربي وترجمت معظم أعماله إلى العديد من اللغات.
بلغ عدد إصداراته أربعة وأربعين كتاباً، وأُطلق عليه لقب “أيقونة الرقة” لأسباب كثيرة، منها ممارسته الطب رسالةً وخدمةً لكل الناس بلا كلل ولا أجر ولا منّة.
قضى العجيلي حياته حاملاً هموم مجتمعه، من خلال دور ريادي للتعريف ببلده والحفاظ على آثاره وقيمه وتمكين أبنائه علماً وثقافةً، فكان الداعم الأول في أي محفل ثقافي أو نادٍ رياضي أو فعالية مجتمعية حضارية، كتب المسرحيات للهواة من أبناء الرقة لخلق بيئة مسرحية، وساند “فرقة الرّقة للفنون الشّعبية”، كما أسهم في إيصال السينما إلى الرّقة، ولا تزال “سينما غرناطة” التي بناها قائمة.
كان متمسكاً بثوابته لا يساوم عليها: “الرّقة بلداً، والعشيرة نسباً، والشام هوًى، وفلسطين القضية.. والأدب هواية، والطّب واجب لخدمة مجتمعٍ أحبه”.
أعوام عبد السلام العجيلي كانت مفعمة بطاقة الحياة فكان الابن والزوج والأب والطبيب والأديب والرسام والحكواتي والسياسي والوزير الذي لم تستلبه أضواء الحياة الثرية والأسفار والنجومية من عشقه الأزلي لمسقط رأسه الرقة التي عاش بها عاشقاً لها وواراه ثراها عام 2006 بمأتم رقاوي شعبي كما كانت وصيته.
بين دمشق والرقة
ولد العجيلي في مدينة الرقة عام 1918، وكان فرداً من أسرة كانت أول من استقرت في بيوت حجرية وهجرت حياة الرعاة وانصرفت إلى الزراعة.
تميزت أسرة العجيلي بكثرة متعلميها، حتى إن العجيلي كان يقرأ ما يقارب مئة كتاب كل عام، وقام والده ببيع قطعة أرض بجانب الفرات ليسمح لابنه باستكمال تعليمه، فدرس العجيلي في دمشق وتابع نشاطه السياسي الطلابي مشاركاً في التظاهرات ضد سلطات الانتداب الفرنسي.
عاد العجيلي إلى مدينته بعد تخرجه طبيباً في “الجامعة السورية”، وأنشأ عيادته الخاصة ليزاول مهنته محققاً ما كان يصبو إليه منذ صغره إذ كان يقول: “عندما أكبر أريد أن أعمل ما أستطيع أن أخفف به آلام كل مريض، أريد أن أصبح طبيباً”.
من اليفاعة
أما علاقته بالإبداع فتعود إلى عهود يفاعته الأولى حيث بدأ بكتابة قصص بوليسية مدفوعاً بولعه بهذا النوع من القصص، ومن ثم مال إلى كتابة مذكراته الشخصية متأثراً بما قرأه للأديب الألماني “غوته” في “الأم فرتر”، كما كتب العجيلي القصائد المقفاة وغناها على ألحان بعض القصائد الدينية مما يحفظ لكي يستقيم وزنها، وظلت الكتابة سراً من أسراره حتى حصل على الشهادة الثانوية، فنشر عام 1936 قصته الأولى “نومان” بتوقيع “ع، ع” في مجلة “الرسالة” المصرية المرموقة.
كذلك نشر قصصاً وقصائد وتعليقات في مجلة “المكشوف” اللبنانية وفي سواها من الدوريات الدمشقية، بأسماء مستعارة إلى أن كشف السر سعيد الجزائري، فاز بعد ذلك الأديب والطبيب عبد السلام العجيلي بجائزة مسابقة القصة التي نظمتها مجلة الصباح عن قصة “حفنة من دماء”.
ثم أصدر مجموعته القصصية الأولى “بنت الساحرة” التي كانت قصة أدبية علمية استطاع العجيلي أن يجمع بها بين اللغة القصصية والعبارات العلمية.
نظم العجيلي بعد ذلك مع عدد من الكتاب الظرفاء “عصبة الساخرين” وكان من أعضائها سعيد الجزائري وعبد الغني العطري وعبد السلام العجيلي، وهو من اقترح اسم الرابطة ومحتواها الساخر.
بعد ذلك كتب العجيلي عدة مجموعات قصصية فكانت المجموعة القصصية “ساعة الملازم” و”قناديل إشبيلية”، و”الخيل والنساء”، وظلت تتوالى أعماله القصصية الثرية حتى عام 2003 حين أصدر المجموعة القصصية “سعاد وسعيد”.
أما الرواية فقد كتبها العجيلي في نهاية الخمسينيات فكانت رواية “باسمة بين الدموع” التي حازت شهرة كبيرة وتحولت إلى فيلم سينمائي، تلتها رواية “رصيف العذراء الأسود” عام 1960 ثم رواية “قلوب على الأسلاك”، ورواية “ألوان الحب الثلاثة”، وهي بالاشتراك مع الكاتب أنور قصيباتي، ورواية “المغمورون” عام 1979.
بعد هذه السلسلة من الروايات توقف العجيلي عن كتابة الرواية مدة تقارب العشر سنين وعاد عام 1998 برواية “أرض الأسياد” وخاتمة رواياته كانت رواية “أجملهن” عام 2001.
كتب العجيلي المقالة والمحاضرة والخاطرة الأدبية والمسرحية والمقامة والشعر وأبدع في الشعر الوجداني والرومانسي الذي تجلى في ديوان “الليل والنجوم”، وأجاد في قصيدته التي رثى بها ابنه “مهند”، ورغم ذلك الحزن الشفيف الذي تداعى في شعر العجيلي بهذه المناسبة الحزينة إلا أن طرافة روحه طغت على بعض أشعاره فقد عرف عنه أنه حوّل معادلة كيميائية إلى قصيدة شعرية، لطالما أحب العجيلي الشعر وأعده جزءاً من المنولوج الذاتي.
اعتبرت أعمال العجيلي الأدبية من أهم ما كتب في الأدب العربي الحديث، فترجم بعض منها إلى اللغات الإنكليزية والفرنسية والإيطالية والإسبانية والروسية، ودرس العديد منها في المدارس والجامعات وصنفت كمرجع أساسي في الأدب، واستشهد بأدبه عدد من الكتاب الأوروبيين أمثال الفرنسي “جان غوليميه”.
الحياة السياسية
رغم تحقيقه لطموحه العلمي إلا أن الحياة السياسية استمالته فشارك في الانتخابات النيابية وفاز بمقعد نيابي في المجلس النيابي السوري ممثلاً عن الرقة.
شغل العجيلي ثلاث وزارات مفصلية بآن واحد عام 1962 هي “الخارجية” و”الثقافة” و”الإعلام” إلا أنه لم يبتعد عن الأدب، بل إن أعماله الأدبية امتازت بحصيلة تجاربه السياسية والمعرفية والاجتماعية، أضفى عليها إحساسه الإنساني العالي، وروح الدعابة واستطاع مزج الحكائية والواقعية بالخيال فكان عالمه الأدبي المتميز.
ويعود أول عمل سياسي انخرط فيه إلى مشاركته في جمع التبرعات لمنكوبي “فيضانات القلمون” التي حلّت عام 1933، وفي عام 1947 انتخب نائباً عن الرقة في مجلس النواب، ولم يكد يبدأ عمله السياسي حتى وقعت “نكبة فلسطين” عام 1948 فتطوّع في جيش الإنقاذ.








