نعى اتحاد الفنانين التشكيليين السوريين، الفنان التشكيلي الفلسطيني سليمان منصور، الذي رحل عن عمر ناهز الثمانين عاماً، إثر صراع طويل مع المرض، بعد مسيرة امتدت لأكثر من خمسة عقود، كرّس فنه خلالها للتعبير عن القضية الفلسطينية، مخلّفاً إرثاً فنياً غنياً يضم مئات اللوحات التي واكبت التحولات السياسية والاجتماعية التي عاشها الشعب الفلسطيني، وحوّل من خلالها الفن إلى وسيلة لحفظ الذاكرة والتعبير عن التمسك بالأرض والهوية.
ويُعد الراحل أحد أبرز رواد الحركة التشكيلية الفلسطينية المعاصرة، حيث أثرى المشهد الفني بإبداعاته المميزة على مدى أكثر من نصف قرن، وقد استلهم في أعماله التاريخ والتراث والهوية الفلسطينية، وشكلت لوحاته سردية بصرية خالدة للقضية والأرض.
وقالت العائلة في بيان: “لقد كُتِب الفصل الأخير، بقلوب يعتصرها الحزن إلى حد يفوق الوصف، نُعلن أن والدنا العزيز قد رحل عن عالمنا”.
وأضافت: “للعالم، يترك خلفه حياة ملؤها الجمال والذكريات، وإرثاً سيستمر في العيش من خلال كل من لامس حياتهم، أما بالنسبة لنا، فقد فقدنا أباً كان مصدر حبنا وقوتنا وملاذنا”.
بدورها، قالت وزارة الثقافة الفلسطينية في بيان لها: “كان اسم سليمان منصور مرتبطاً بصورة فلسطين؛ وتمثل ذلك من خلال لوحته الشهيرة “جمل المحامل” التي تحولت إلى أيقونة فنية ووطنية، اختزلت في صورتها حكاية شعب يحمل وطنه وتاريخه وذاكرته”.
ووصف البيان أعماله بأنها شاهدة على التاريخ الفلسطيني وحارسة للهوية، وأنها تستحضر الأرض والقدس والتراث والثوب الفلسطيني والزيتون”.
وترتدي جميع النساء في لوحات منصور الثوب الفلسطيني المطرز باختلاف تصاميمه، فهو أحياناً مطرز بالكامل، وفي أحيان أخرى يكتفي بقليل من التطريز عند أطرافه.
خمسة عقود
ولد منصور في بلدة “بيرزيت” شمال “رام الله” عام 1947، ودرس الفنون والتصميم في أكاديمية في القدس وتخرج فيها العام 1970، وهو عضو مؤسس في رابطة الفنانين الفلسطينيين.
وامتدت مسيرة منصور الفنية أكثر من خمسة عقود، وتميزت أعماله العديدة بارتباطها القوي بالتراث الفلسطيني، واكتسب بلوحاته الفنية شهرة على مستوى العالم، وقال عنه فنانون فلسطينيون إنه سيبقى، رغم رحيله، في الذاكرة الفنية الفلسطينية.
وشارك منصور عام 1994 في تأسيس “مركز الواسطي للفنون” في “القدس الشرقية”، وتولى إدارته منذ عام 1996 ولغاية عام 2003.
وخلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى، شارك في تأسيس جماعة “الرؤى الجديدة” إلى جانب فيرا تماري وتيسير بركات ونبيل عناني، واتجه الفنانون آنذاك إلى مقاطعة مواد الرسم “الإسرائيلية” والبحث عن خامات محلية، مثل الطين والحناء، في محاولة لربط الممارسة الفنية بالأرض الفلسطينية نفسها.
وعلى مدار مسيرته الفنية، أقام معارض فردية في رام الله ونيويورك والشارقة والنرويج والقاهرة، ونال العديد من الجوائز، من أبرزها جائزة “اليونسكو-الشارقة للثقافة العربية” لعام 2019، وجائزة “النيل للمبدعين العرب” لعام 2025.
وفي عام 2016، قلّد رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، النحات منصور بـ “وسام الثقافة والعلوم والفنون – مستوى التألق”، تقديراً لمساهماته الإبداعية وتمثيلاً لعطائه الفني الرفيع ودوره في إبراز الهوية الوطنية الفلسطينية عبر لوحاته الفنية.
“جمل المحامل”
هناك عمل ارتبط باسم سليمان منصور على نحو يكاد يكون أبدياً، هو لوحة “جمل المحامل”، التي تُعرف أيضاً باسم “جمل المشقة”.
في اللوحة يظهر رجل فلسطيني مسن يحمل على ظهره حملاً هائلاً، ويتقدم بخطوات مثقلة، بينما يبدو ما يحمله أشبه بمدينة كاملة بتاريخها وثقافتها وذاكرتها.
وتحولت اللوحة إلى واحدة من أشهر صور الفن الفلسطيني، لما تختزنه من دلالة على التهجير وفقدان المكان والتشبث بالوطن رغم ثقل المأساة.
ولم تتوقف دلالة اللوحة عند زمن إنتاجها، إذ عادت إلى الواجهة بقوة عقب وفاة الفنان، وانتشرت مجدداً عبر منصات التواصل الاجتماعي باعتبارها صورة تختصر تجربة الفلسطيني الذي يحمل وطنه وذاكرته أينما ذهب.
الألم والأمل
يكشف النظر إلى أعمال منصور عبر العقود عن فنان جمع بين الألم والأمل والحياة اليومية.
ففي لوحة “رمز الأمل” عام 1985، تظهر حمامة كبيرة تحمل غصن زيتون في السماء، بينما تنظر أم تحتها إلى المشهد وهي تحتضن أطفالها، في صورة تستحضر الأمل وسط ظروف الاحتلال القاسية.
وفي أجواء الانتفاضة الفلسطينية الأولى، خرجت لوحة “حصاد الزيتون” عام 1988 لتقدّم فعلاً يومياً بسيطاً بوصفه شكلاً من أشكال التشبث بالأرض، فجمع الزيتون لم يكن مجرد مشهد ريفي، وإنما ممارسة تؤكد استمرار الفلسطينيين في الاعتناء بأرضهم والعيش منها رغم الظروف المحيطة بهم.
ومن أعماله الأخرى “طقوس تحت الاحتلال” عام 1989، التي استخدم فيها الرموز الدينية والتاريخية للتعبير عن الألم الجماعي، فيما تظهر في العمل أيضاً فكرة التكاتف وتقاسم العبء.
أما في لوحة “من النهر إلى البحر” عام 2021، فتظهر امرأة ترتدي الزي الفلسطيني وتحتضن شجرة تنبت عليها ثمار الزيتون والبرتقال، ونشر منصور العمل في ذكرى النكبة، رابطاً بين الذاكرة التاريخية واستمرار قضية التهجير حتى الحاضر.









