رغم الصورة الإيجابية التي رسمها صندوق النقد الدولي لمسار الاقتصاد السوري، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور محمود عبد الكريم أن الجزء الأهم في بيان الصندوق يكمن في التحذيرات التي حملها بشأن التضخم، والقطاع المصرفي، والمالية العامة، وملفات الإصلاح التي ستحدد ما إذا كان التعافي سيتحول إلى نمو مستدام أم سيبقى مجرد ارتداد مؤقت.
إنجاز مهم وتحذيرات لا تقل أهمية
واعتبر عبد الكريم أن صورة المالية العامة تبدو أفضل مما كانت عليه خلال السنوات الماضية، إذ اختتمت موازنة عام 2025 بفائض محدود نتيجة احتواء الإنفاق ضمن الموارد المتاحة، مع استمرار امتناع وزارة المالية عن تمويل العجز عبر المصرف المركزي.

وأوضح أن التمويل النقدي للعجز، أي تغطية النفقات من خلال إصدار نقد جديد، كان أحد أهم أسباب التضخم وتراجع قيمة الليرة السورية خلال سنوات الحرب، ولذلك فإن وقف هذه الآلية يمثل الإنجاز الحقيقي، وليس مجرد تسجيل فائض في الموازنة.
وأشار إلى أن العجز المخطط في موازنة عام 2025 كان يقارب 21 بالمئة بعد أن بلغ 26 بالمئة في عام 2024، معتبراً أن الانتقال من عجز بهذا الحجم إلى فائض محقق يعكس تغيراً كبيراً في التنفيذ، لكنه يرجح أن يكون ناجماً أيضاً عن عدم تنفيذ كامل الإنفاق الاستثماري.
وأضاف إن بيان صندوق النقد يدعم هذا التفسير عندما يشير إلى أن محدودية الموارد ستفرض على الأرجح ضبط الإنفاق الرأسمالي خلال عام 2026، رغم توقع ارتفاع الإيرادات، معتبراً أن هذه هي الإشارة السلبية الأبرز في الجانب المالي، لأن الاقتصاد قد يحقق نمواً من دون أن يوسع استثماراته، وهو نموذج يصعب أن يستمر لفترة طويلة.
إيرادات تتحسن… بعضها غير مستدام
وأوضح عبد الكريم أن ارتفاع الإيرادات الضريبية والجمركية خلال النصف الأول من عام 2026 يعد من أكثر المؤشرات مصداقية في البيان، لأنه يستند إلى أرقام محققة.
لكنه أشار في المقابل إلى أن الصندوق تحدث أيضاً عن إيرادات استثنائية، مثل رسوم تراخيص الاتصالات ورسوم عبور الوقود، وهي موارد قد لا تتكرر بصورة دائمة، محذراً من بناء نفقات دائمة على إيرادات مؤقتة، لأن ذلك قد يخلق ضغوطاً على موازنات السنوات المقبلة.
ولفت إلى أن تشديد الصندوق على إعداد موازنة عام 2027 وفق افتراضات متحفظة، مع ضبط الإنفاق الجاري، يعكس تغيراً واضحاً في لهجته تجاه إدارة المالية العامة.
ديون قد لا تظهر في الموازنة
وتوقف عبد الكريم عند دعوة صندوق النقد إلى الحد من العمليات خارج الموازنة وضبط الالتزامات المحتملة، بما فيها الضمانات الحكومية، موضحاً أن الالتزام المحتمل هو تعهد لا يظهر اليوم كدين مباشر على الدولة، لكنه قد يتحول إلى دين فعلي إذا تعثر المشروع الذي حصل على الضمان الحكومي.
ورأى أن هذه الفقرة موجهة بوضوح إلى المشاريع الكبرى الجاري توقيعها، وتحمل رسالة مفادها أن الفائض المالي المعلن قد يقابله دين غير ظاهر في الحسابات الرسمية، داعياً إلى مراقبة هذا الملف باعتباره مؤشراً مهماً على جدية الإصلاح المالي.
القطاع المصرفي… العقدة الأكبر
ويصف عبد الكريم القسم المتعلق بالقطاع المصرفي بأنه الأكثر أهمية في بيان صندوق النقد، إذ يؤكد الصندوق، رغم إشادته بنجاح مصرف سورية المركزي في إدارة عملية طرح العملة الجديدة، أن السياسة النقدية ما تزال تواجه قيوداً شديدة نتيجة الخلل الكبير في القطاع المصرفي وغياب أدوات السياسة النقدية.
وأوضح أن غياب هذه الأدوات يعني أن المصرف المركزي لا يمتلك الوسائل التقليدية لإدارة السيولة والتأثير في أسعار الفائدة، مثل عمليات السوق المفتوحة أو شهادات الإيداع، وبالتالي فإن ما يوصف بالموقف النقدي المتشدد لا يمثل سياسة نقدية متكاملة، بل يعكس شحاً في السيولة أكثر مما يعكس قدرة على إدارتها.
وأضاف إن استمرار تعطّل الدور الأساسي للمصارف في تحويل المدخرات إلى تمويل للاستثمار والإنتاج يجعل النمو الاقتصادي يعتمد بصورة أكبر على التمويل الذاتي أو الخارجي، وهو ما يحد من استدامته.
وأشار إلى أن صندوق النقد وضع أولويات واضحة للإصلاح، تتمثل في إصدار قانون جديد لمصرف سوريا المركزي وآخر للمصارف، إلى جانب إجراء تقييم شامل لسلامة القطاع المصرفي وفق المعايير الدولية، ما يتيح إعادة هيكلة المصارف المتعثرة بطريقة تحافظ على الاستقرار المالي.
القائمة الرمادية… رفع العقوبات لا يكفي
ويرى عبد الكريم أن من أهم الرسائل الجديدة التي حملها البيان ربط تعزيز منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب بإخراج سوريا من القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي (FATF).
وأوضح أن بقاء أي دولة على هذه القائمة يرفع كلفة التعامل معها ويحد من انفتاح المصارف الدولية عليها، معتبراً أن هذه الإشارة تعني عملياً أن رفع العقوبات، رغم أهميته، لن يكون كافياً وحده لإعادة دمج سوريا في النظام المالي العالمي، ما لم تستكمل الإصلاحات المطلوبة في هذا المجال.
التمويل عبر السوق… خطوة إلى الأمام
وأشار عبد الكريم إلى أن البيان سجل تقدماً في إعداد تحليل استدامة الدين، وربط تمويل التنمية بمعالجة الديون الموروثة وتطوير سوق محلية للأوراق المالية، وهو ما ينسجم مع توجه وزارة المالية لإصدار صكوك سيادية وسندات خزينة.
واعتبر أن الانتقال من التمويل التضخمي إلى التمويل عبر أدوات السوق يمثل تطوراً إيجابياً، لكنه شدد على أن نجاح هذه الخطوة يتطلب وجود سوق مالية أكثر نضجاً، وآليات واضحة لتسعير أدوات الدين، حتى لا يتحول التمويل السوقي إلى شكل جديد من أشكال التمويل الموجّه.
رسالة إلى دمشق
وتوقف عبد الكريم عند إشارة صندوق النقد إلى استمرار وجود فجوات في توافر وجودة البيانات الاقتصادية، معتبراً أنها تمثل تحفظاً على دقة كثير من التقديرات، بما فيها توقعات النمو.
وأضاف إن البيان ربط تحسين البيانات باستئناف مشاورات المادة الرابعة بناءً على طلب السلطات السورية، ما يعني أن قرار الانتقال إلى هذه المرحلة أصبح بيد دمشق، وأن تقديم هذا الطلب سيكون مؤشراً مهماً على تطور العلاقة مع صندوق النقد.
وفي ختام حديثه، أكد عبد الكريم أن سوريا نجحت في إنجاز المرحلة الأسهل من الإصلاح الاقتصادي، والمتمثلة في وقف التمويل التضخمي للعجز، وضبط الإنفاق، وإعادة ترتيب المالية العامة، وطرح العملة الجديدة، وهي خطوات ساعدت على استعادة قدر من الاستقرار.
إلا أنه شدد على أن المرحلة المقبلة ستكون أكثر تعقيداً، لأنها تتطلب بناء قطاع مصرفي قادر على تمويل الاقتصاد، وتطوير أدوات السياسة النقدية، وإنشاء سوق محلية للدين، واستكمال منظومة الامتثال المالي، وتحسين جودة البيانات الاقتصادية.
وختم بالقول إن توقعات النمو التي تتجاوز 10 بالمئة تبدو واقعية، لكنها تبقى نمواً ارتدادياً يعتمد على عوامل مثل تحسّن الأمطار، وزيادة إنتاج النفط والغاز، وانتعاش السياحة، وعودة اللاجئين، وهي عوامل قد تدفع الاقتصاد إلى النمو بسرعة، لكنها قد تجعله أيضاً أكثر عرضة للتقلبات.
وأضاف: التعافي الاقتصادي السوري حقيقي، لكنه لا يزال هشاً، ومصدر هشاشته لا يكمن في السياسة المالية وحدها، بل في ضعف القطاع المصرفي والبيئة الإقليمية، ولذلك قد ينمو الاقتصاد بسرعة، لكنه سيبقى معرّضاً للانكشاف أمام أي صدمة جديدة.








