الوطن- أسرة التحرير
بدا المشهد الذي رافق زيارة وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني إلى مدينة طرابلس اللبنانية وكأنه رسالة سياسية وشعبية مكتملة الأركان، كتبتها المدينة بأصوات أهلها قبل أن تُكتب في البيانات الرسمية.
فالحشود التي احتشدت واللافتات التي ارتفعت والهتافات التي صدحت باسم سوريا، والاستقبال الذي بلغ حد حمل الوزير على الأكتاف، جميعها رسمت صورة تتجاوز حدود المجاملة الدبلوماسية إلى فضاء أوسع عنوانه إعادة وصل ما انقطع بين شعبين فرقت بينهما سياسات النظام البائد، ولم تستطع الجغرافيا ولا التاريخ أن تفصل بينهما.

ولعل أكثر العبارات اختصاراً للمشهد كانت تلك التي رددها أحد أبناء طرابلس مخاطباً القيادة السورية: “لا تخافوا على الوزير، فهو بين أهله وناسه”، فهي ليست مجرد جملة ترحيب، وإنما إعلان انتماء وجداني، يعكس شعوراً بأن العلاقات بين الشعبين أعمق من الخلافات السياسية التي راكمتها العقود الماضية.
وعلى امتداد منصات التواصل الاجتماعي، تكررت أوصاف مثل “الاستقبال المهيب”، و”الحفاوة غير العادية”، و”طرابلس التي قدمت الدماء والشهداء”، بينما رأى كثيرون أن المدينة لم تكن تستقبل مسؤولاً سورياً فحسب، بل كانت تستقبل صفحة جديدة من العلاقات السورية اللبنانية، تقوم على الاحترام المتبادل وسيادة الدول، لا على الوصاية أو الإملاء أو الإرث الثقيل الذي خلفته سنوات النظام البائد، وكأن التاريخ يعيد كتابة بعض صفحاته، ولكن هذه المرة بقلم الشعوب لا بقرارات الأجهزة الأمنية.
ولم يكن غريباً أن يربط كثير من المعلقين بين هذا الاستقبال وبين التحولات التي شهدتها سوريا بعد التحرير، معتبرين أن ما جرى في طرابلس يعكس أملاً لبنانياً بعلاقات أخوية جديدة.
وكما يقول المثل العربي: “القلوب شواهد لا تحتاج إلى شهود”، ويبدو أن قلوب الطرابلسيين قالت في ساعات قليلة ما عجزت عنه سنوات طويلة من الخطابات السياسية، فالمحبة كما يقول البلغاء لا تستأذن الكلمات، بل تظهر في الوجوه قبل الألسنة، وفي ازدحام الساحات قبل ازدحام العبارات.
وحين تُستقبل الوفود الرسمية بالتصفيق، يكون ذلك بروتوكولاً، أما حين تستقبلها المدن بقلوب أهلها، فإن الأمر يصبح لغةً أخرى، لغةً لا تحتاج إلى ترجمة لأنها تُكتب بحبر الوجدان وتُقرأ في ملامح الناس، عندها يتقدم الشعب على السياسة، وتسبق الأخوة كل الحسابات الأخرى.
لقد بدت طرابلس اليوم، وكأنها تعيد اكتشاف موقعها الطبيعي بوصفها إحدى حواضر بلاد الشام الكبرى، وتؤكد أن ما يجمع السوريين واللبنانيين أكبر من مخططات السياسة وفتن الأنظمة البائدة، وأن المستقبل يمكن أن يُبنى على قاعدة الأخوة بين الشعبين والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.







