الوطن – أسرة التحرير
في الوقت الذي يحيي فيه العالم اليوم الدولي للمرأة في العمل الدبلوماسي، تبدو المرأة السورية أمام لحظة تاريخية مختلفة، ليس بوصفها شريكاً في عملية إعادة بناء الدولة فحسب، بل باعتبارها أحد الوجوه التي تحمل رسالة سوريا الجديدة إلى المجتمع الدولي، وتشارك في رسم ملامح حضورها الخارجي واستعادة مكانتها بين الأمم.
فخلال حقبة النظام البائد، بقيت مشاركة المرأة السورية في بعض مفاصل العمل السياسي والدبلوماسي أقل من حجم كفاءاتها وإمكاناتها، نتيجة بنية إدارية وسياسية ضيقة حكمت مؤسسات الدولة لعقود، أما اليوم، ومع إعادة هيكلة السلك الدبلوماسي السوري على أسس الكفاءة والخبرة وتكافؤ الفرص، تتقدم المرأة السورية بثقة نحو مواقع كانت حتى وقت قريب حكراً على دوائر محدودة، لتصبح شريكاً فعلياً في صناعة القرار الخارجي وتمثيل البلاد في المحافل الدولية والإقليمية.

ولعل تعيين شخصيات نسائية في مواقع دبلوماسية متقدمة، من بينها تعيين سالي شوبط مفوضة خاصة لشؤون الأمم المتحدة، يعكس تحولاً مهماً في النظرة إلى دور المرأة داخل وزارة الخارجية، حيث لم يعد حضورها مرتبطاً بالتمثيل الشكلي أو الرمزي، بل بات مرتبطاً بالخبرة والاختصاص والقدرة على إدارة ملفات سياسية وقانونية معقدة، تمس مصالح الدولة السورية وعلاقاتها الدولية.
كما أن مشاركة النساء السوريات في وفود سوريا إلى اجتماعات الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان واللجان الدولية المختلفة، تعكس صورة جديدة لسوريا الساعية إلى بناء مؤسسات حديثة تستثمر في جميع طاقاتها البشرية دون تمييز، وهذه الصورة لم تمر من دون اهتمام دولي وأممي، إذ أكدت الأمم المتحدة مراراً أهمية المشاركة الفاعلة للمرأة السورية في العملية السياسية وصنع القرار، على حين أشادت شخصيات أممية ودولية بالدور الذي لعبته النساء السوريات في الحوار وبناء السلام والدفاع عن القضايا الوطنية.
ولا تقتصر أهمية المرأة الدبلوماسية السورية على تمثيل الدولة في الاجتماعات والمؤتمرات، بل تمتد إلى حمل رسالة سوريا إلى العالم والدفاع عن مصالحها، وبناء جسور التواصل مع الشعوب والمؤسسات الدولية، فالدبلوماسية الحديثة أصبحت عملاً متعدد الأبعاد، يشمل القانون الدولي والاقتصاد والتنمية والتواصل الثقافي والإنساني، وهي مجالات أثبتت المرأة السورية فيها كفاءة لافتة وقدرة على المبادرة والقيادة.
وإذا كانت الدبلوماسية تمثل واجهة الدولة في الخارج، فإن المرأة السورية تواصل في الوقت ذاته أداء رسالتها الوطنية داخل المجتمع والأسرة، فهي تجمع بين مسؤولية تمثيل البلاد في المحافل الدولية وبين دورها المحوري في بناء الأسرة وتربية الأجيال الجديدة على قيم العلم والانتماء والمسؤولية، ومن هذه المعادلة المتوازنة تنبع خصوصية التجربة السورية؛ فالمرأة التي ترفع اسم بلادها في المنابر الدولية هي نفسها التي تساهم في إعداد مواطنين قادرين على حمل أمانة المستقبل والمشاركة في نهضة وطنهم.
وفي اليوم الدولي للمرأة في العمل الدبلوماسي، تبدو الرسالة السورية واضحة: إن بناء سوريا الجديدة لا يكتمل إلا بحضور المرأة في مواقع القرار، وإن نجاح الدبلوماسية السورية في استعادة دورها ومكانتها الدولية يمر أيضاً عبر الاستثمار في الكفاءات النسائية التي أثبتت قدرتها على الجمع بين المهنية الوطنية والالتزام الإنساني، وبين خدمة الدولة وبناء المجتمع، لتبقى المرأة السورية شريكاً أساسياً في صناعة مستقبل البلاد وصورتها أمام العالم.








