لم يعد دفتر الدكنجي مجرد صفحات يحتفظ بها صاحب البقالية خلف صندوق المحاسبة بل تحول خلال السنوات الماضية إلى مرآة تعكس الواقع المعيشي وقدرة الأسر على تأمين احتياجاتها اليومية فكل اسم يسجل فيه يحكي قصة أسرة لم يعد دخلها يكفي حتى نهاية الشهر وكل صفحة جديدة تكشف اتساع الفجوة بين الأجور والأسعار.
ورغم الحديث عن تحسن نسبي في بعض المؤشرات الاقتصادية ما يزال هذا الدفتر حاضراً في كثير من الأحياء الشعبية والقرى بينما تراجع في الأسواق الحديثة والمتاجر الكبرى ليطرح سؤالاً مهماً هل اختفاء دفتر الديون يعد مؤشراً على تعافي الاقتصاد أم أن بقاءه هو الذي يكشف الحقيقة؟.
ويرى المحلل الاقتصادي عبد الحميد قتلان أن انتشار دفتر الديون يمثل شكلاً من أشكال الائتمان غير الرسمي الذي ينشأ عندما تعجز الأدوات المالية التقليدية عن تلبية احتياجات المجتمع موضحاً أن انتشاره يرتبط عادة بانخفاض القوة الشرائية وتراجع الدخول وارتفاع تكاليف المعيشة.

ويبين أن استمرار هذه الظاهرة يعني أن شريحة واسعة من الأسر تعتمد على تأجيل الدفع لتأمين احتياجاتها الأساسية وهو ما يعكس وجود فجوة بين الدخل الحقيقي والإنفاق الضروري لافتاً إلى أن العلاقة القائمة على الثقة بين البائع والزبون أصبحت تؤدي دوراً اقتصادياً واجتماعياً في ظل محدودية البدائل التمويلية.
ويشير إلى أن دفتر الدكنجي لا ينتشر اليوم بالدرجة نفسها في جميع المناطق إذ ما يزال حاضراً في القرى والأحياء الشعبية حيث العلاقات الاجتماعية متينة بينما تراجع في السوبرماركت والمتاجر المنظمة التي تعتمد على الدفع الفوري وتحتاج إلى سيولة مستمرة لإعادة شراء البضائع.
ويؤكد أن تراجع العمل بدفتر الديون لا يحمل بالضرورة دلالة إيجابية فالأمر يعتمد على السبب فإذا كان اختفاؤه نتيجة تحسن دخول المواطنين وارتفاع قدرتهم الشرائية فإن ذلك يعد مؤشراً صحياً أما إذا كان سببه عجز أصحاب المحال عن الاستمرار في البيع الآجل بسبب نقص السيولة وتقلب الأسعار فإن ذلك يعكس انتقال الأزمة من المستهلك إلى التاجر أيضاً.
ويجمع العديد من العاملين في القطاع التجاري والاقتصادي أن دفتر الدكنجي لا يقاس بعدد صفحاته بل بما يكشفه من واقع اقتصادي فهو من أكثر المؤشرات التصاقاً بحياة الناس لأنه يرصد بشكل يومي قدرة الأسرة على شراء احتياجاتها الأساسية دون انتظار الإحصاءات الرسمية أو التقارير الدورية.
وربما لهذا السبب يبقى دفتر الديون رغم بساطته واحداً من أكثر المؤشرات صدقاً على نبض السوق فكلما امتلأت صفحاته كانت الرسالة واضحة بأن المعيشة ما تزال تحت الضغط وكلما أغلق لأن الناس لم يعودوا بحاجة إليه كان ذلك دليلاً حقيقياً على أن التعافي الاقتصادي وصل أخيراً إلى موائد الأسر وليس فقط إلى لغة الأرقام.







