المزيد

‫آخر الأخبار:‬

لا انفصال ولا إقصاء.. كيف بنت سوريا مقاربة جديدة لملف “قسد”؟

‫شارك على:‬
20

لم يكن حل ملف “قسد” وما تمثله من شريح لدى المجتمع الكردي، قراراً منفصلاً عن التحولات التي شهدتها سوريا بعد سقوط النظام البائد، بل جاء نتيجة مسار جمع بين معالجة إرث طويل من المظالم، وتثبيت الحقوق الثقافية والمدنية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على قاعدة واحدة: المواطنة المتساوية ضمن سوريا موحدة.

وعلى مدى عقود، بقيت القضية الكردية واحدة من الملفات التي راكمها النظام البائد دون معالجة جذرية، وكان إحصاء الحسكة عام 1962 أحد أبرز عناوينها، بعدما حُرم آلاف السوريين الأكراد من الجنسية، وما ترتب على ذلك من قيود طالت التعليم والعمل والتملك وغيرها من الحقوق المدنية، لتصبح مع الوقت جزءاً من تعقيدات المشهد السوري.
وبعد سقوط النظام البائد، تغيرت المقاربة من إدارة المظلومية إلى معالجة أسبابها، وجاء المرسوم رقم 13 لعام 2026 ليشكل محطة مفصلية، بعدما أقر أن السوريين الكرد جزء أصيل من الشعب السوري، وأن هويتهم الثقافية واللغوية جزء من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحدة.

وألغى المرسوم الآثار القانونية لإحصاء 1962، ومنح الجنسية للسوريين من أصول كردية المقيمين في البلاد، بمن فيهم مكتومو القيد، مع ضمان المساواة في الحقوق والواجبات، كما أتاح تدريس اللغة الكردية في المدارس واعتمد عيد النوروز عطلة رسمية.

بهذا المعنى، لم يعد الاعتراف بالخصوصية الثقافية مرتبطاً بوجود كيان منفصل أو قوة تحمي هذه الحقوق خارج مؤسسات الدولة، بل أصبح جزءاً من الإطار القانوني للدولة نفسها.
في المقابل، كان إنهاء ملف “قسد” يتطلب معالجة الجانب الآخر من المعادلة: السلاح والإدارة والموارد، فـ”قسد” نشأت في ظروف محاربة تنظيم “داعش”، ومع تغير هذه الظروف وعودة الدولة إلى بناء مؤسساتها، أصبح استمرار الهياكل العسكرية والإدارية خارج إطارها يتعارض مع الاتجاه الجديد.

وجاء اتفاق 10 آذار 2025 ليضع الأساس السياسي للحل، من خلال النص على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن مؤسسات الدولة، وتسليم المعابر والمطار وحقول النفط والغاز، وضمان حقوق المجتمع الكردي ورفض مشاريع التقسيم.

لكن الاتفاق لم يتحول فوراً إلى واقع، فالتباينات حول شكل الدمج ومرجعيته، ثم التوترات الميدانية، أظهرت أن إنهاء بنية نشأت خلال سنوات الحرب يحتاج إلى مسار تفاوضي وتنفيذي طويل.

ومنذ مطلع 2026 دخل المسار مرحلة أكثر حسماً، مع اتفاقات جديدة لوقف إطلاق النار والاندماج، وانتشار قوى الأمن الداخلي في الحسكة والقامشلي، وتسلم عدد من المؤسسات، بالتوازي مع تنظيم عملية دمج العناصر العسكرية والأمنية ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، وتوسعت العملية لاحقاً لتشمل ملفات السجون والموقوفين والمهجرين والخدمات والموارد، وصولاً إلى تحديد تشكيلات عسكرية لدمجها ضمن الجيش السوري.

وفي 25 آب 2026 أعلن مظلوم عبدي انتهاء مهمة “قسد” وحلها كقوة عسكرية مستقلة بعد استكمال دمج قواتها ضمن ألوية الجيش السوري، في إعلان أنهى عملياً مساراً بدأ باتفاق سياسي قبل 17 شهراً.

فالمعادلة التي تشكلت قامت على مسارين متوازيين: حقوق كاملة داخل الدولة، وسلاح ومؤسسات تحت سلطة الدولة.
وهنا تكمن أهمية التجربة السورية الجديدة؛ فحل الملف الكردي لم يأت عبر تقسيم الدولة أو إنتاج سلطة موازية، بل عبر محاولة الجمع بين الاعتراف بالتنوع وتوحيد المؤسسات، لتصبح المواطنة إطاراً للحقوق، والدولة إطاراً لحمايتها.

أسرة التحرير 

مواضيع: