أكد الكاتب مجد عبيسي أن الموسم الدرامي لهذا العام يميل إلى نبش الهموم اليومية تحت أضواء التاريخ القريب، بعيداً عن الملاحم الشامية التقليدية بعض الشيء، فيطل مسلسل “مولانا” كاستثناء سردي لا يُشبه غيره، مشيراً إلى أن العمل الذي يجسد بطولته تيم حسن، يمنح الدراما السورية بُعداً خيالياً افتراضياً جديداً، لكنه في جوهره أكثر التصاقاً بالواقع مما قد يبدو للوهلة الأولى.
وأوضح في تصريح خاص لـ”الوطن” أنه من خلال قراءة معمقة لمسلسل “مولانا” نجد أنه يمثّل تصديراًجديداً لشخصية البطل النمطية التي تم تسويقها وبناء أركان نجاحها بحرفية عالية، مبيناً أن العمل لم يعتمد على نموذج رجل الدين التقليدي، بل قدّم مزيجاً روحياً إنسانياً مشحوناً بالعواطف، فالشخصية التي يقودها تيم حسن تحاول أن تقود الناس بأسلوب مطعم بالكوميديا والنبل، لتصل إلى فكرة جوهرية: “ادّعاء الولاية لا يعني اتقانها”.
وقال: “في زمن ثوري مضطرب، نجح العمل في استحضار حقبة الثورة السورية عبر بيئة افتراضية، ليخلق ربطاً عاطفياً وجمعياً عميقاً مع المشاهد، وهذا التماهي بين الخيال والواقع هو أحد أقوى أسلحة المسلسل، حيث تحوّلت الشخصية إلى وسيلة لتحقيق هدف معلن، بعيداً عن الاحتيال الصريح، لكنه لا يخلو من استثمار “طيبة الناس” بشكل غير مباشر”.

وأشار إلى أن العمل ضم نخبة من الممثلين السوريين ذوي الخبرة، وقد استطاعوا تحويل نص بسيط إلى تجربة إنسانية مثيرة، على الرغم من أن بناء الشخصيات الرئيسية لم يكن عميقاً بالمعنى الكلاسيكي، إلا أنه كان مثقلاً بالتجارب الإنسانية وليدة المرحلة، وهذه المعادلة الصعبة نجحت في جعل المشاهد يرى في شخصيات المسلسل انعكاساً لأسئلته الوجودية حول الهوية والأسرة والسلطة والحرية، بجرأة معقولة وحوار اجتماعي يطرح الأسئلة الصعبة دون مواربة.
كما أكد عبيسي أن الوتيرة المتوسطة للعمل، البعيدة عن الملل، أتاحت المجال للاستمتاع باستثمار البيئة الخلابة كعنصر درامي جاذب، وليس مجرد خلفية جامدة، كما أن الإخراج قدّم مفرزات جاذبة ورؤى جديدة، على الرغم من وجود بعض الهفوات الإخراجية المقبولة التي يلتقطها النقاد والمتابعون المدققون.
وشدد أنه لا يمكن الحديث عن “مولانا” من دون التوقف عند بعض الإشكاليات، ومنها الاختلاف الحاد أحياناً في تفاعل الشخصيات بين “السياق الديني أو الروحي” و”السياق الاجتماعي الحقيقي”، هذا التفاوت كان من الممكن أن يهدد تماسك العمل، لكن يبدو أن صانعيه وظفوه بشكل متعمد للتخفيف من وطأة العمق الإنساني للمشاهد، عبر إدخال “الإفيهات” والطرائف التي تخفف من حدة التوتر الدرامي، لكن يبقى السؤال: هل كان هذا الحل موفقاً أم أنه أضعف من اتساق الشخصيات المركبة؟
أما على الصعيد التقني، فلفت عبيسي إلى أن العنصر الموسيقي شكّل نقطة الضعف الأبرز، حيث لم يرتقِ للمخرجات الفنية الأخرى في العمل، ما خلق فجوة بين الصورة القوية والسيناريو الذكي والإيقاع الموسيقي الذي لم يدعم المشاهد بالشكل الكافي.
وشدد على أن “مولانا” يبقى تجربة درامية فريدة في الموسم الدرامي، مشيراً إلى إنه ليس مسلسلاً دينياً بالمعنى الحرفي، بل عمل إنساني بامتياز، يحاول الإمساك بعصا التوازن بين العاطفة الروحية والتوتر الدرامي، ناجحاً في خلق تجربة فكرية مثيرة للمشاهد بفضل جرأته في اقتحام مناطق رمادية نادراً ما تسلط عليها الأضواء، خاتماً على أن العمل رغم بعض هفواته الإخراجية والموسيقية، وعدم اكتمال بناء بعض شخصياته، إلا أنه يظل واحداً من أكثر الأعمال قدرة على ترك بصمة في ذاكرة المشاهد، مستثمراً ذاكرة جمعية وأسئلة مصيرية لا تزال بلا إجابة.








