ما تضمنته مذكرة التفاهم السورية – الروسية حول قاعدتي حميميم وطرطوس، لا يعني إنهاء العلاقة بين البلدين، وإنما إعادة تنظيمها وتعريف أدوارها بما ينسجم مع المرحلة الجديدة في سوريا. فبعد إسقاط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024، وتسلم الإدارة الجديدة لمقاليد السلطة، دخلت سوريا مرحلةً سياسية جديدة أنهت عقوداً من تبعية مطلقة لروسيا سار عليها النظام السابق.
وفي سياق النهج الذي اعتمدته الإدارة السورية الجديدة بإعادة صياغة وبناء علاقتها مع مختلف الدول العربية والإقليمية والعالمية بما ينسجم مع متطلبات التغيير الذي حصل في البلاد، ومع موازين القُوَى الجديدة داخل سوريا وفي محيطها، وبما يحقق مصلحة البلاد، عملت دمشق على إعادة صياغة علاقاتها مع موسكو، على الرغم من العدائية الفجة التي مارستها الأخيرة للمعارضة السورية خلال سنوات الثورة السورية ووقوفها على كل الصعد (عسكرياً، أمنياً، مالياً واقتصادياً) مع نظام الأسد.
توجه الإدارة السورية الجديدة لعلاقاتها مع روسيا، يأتي وفق مراقبين من إدراكها بأن موسكو تمتلك تأثيراً عميقاً في الملفّ السوري على المستويات الدولية والأمنية والإقليمية، وأن القطيعة مع موسكو لا تخدم مصالح البلاد، نظراً لما تمتلكه روسيا من نفوذ داخل مجلس الأمن الدولي، وكدولة تمتلك علاقة وثيقة مع كيان الاحتلال الإسرائيلي ومع مجموعات مسلّحة من فلول النظام البائد داخل البلاد لاتزال تعمل من أجل التأثير في حالة الأمن والاستقرار والنسيج المجتمعي.

مذكرة التفاهم التي أعلنت عنها وزارة الخارجية والمغتربين، جرى التوصل إليها بعد 18 شهراً من المفاوضات ما يعني أن المذكرة جرت برضى كل من دمشق وموسكو. وبالتالي ما تضمنته من استعادة الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، وفي مقدمتها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس، وتحويل القواعد العسكرية الروسية السابقة، إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة ضمن ترتيبات جديدة، هو براي المراقبين إعادة تنظيم وتعريف الوجود العسكري الروسي في سوريا ووضعه ضمن صيغة مختلفة ومتفق عليها بين البلدين بما يتناسب مع المرحلة الجديدة، مع الحفاظ على المصالح المتبادلة بينهما.
مع التوصل إلى المذكرة الآنفة الذكر، تدخل العلاقة بين سوريا وروسيا مرحلة جديدة من ترتيبات فرضتها ظروف سابقة إلى علاقة يجري تنظيمها على أساس التفاهم والمصالح المتبادلة، وضمن صيغة تحفظ مصالح سوريا وتضع إطاراً واضحاً للعلاقة مع روسيا.
الوطن – أسرة التحرير








