المزيد

‫آخر الأخبار:‬

“مفارقة” بدلاً من البناء للفقراء .. نعمر للأغنياء!

‫شارك على:‬
20

‏في الوقت الذي يبحث فيه آلاف السوريين عن شقة تتناسب مع دخولهم وقدرتهم الشرائية، تبدو المشاريع العقارية الجديدة وكأنها تخاطب شريحة أخرى تماماً. أبراج ومجمعات سكنية ومشاريع بمواصفات مرتفعة وأسعار تتجاوز قدرة أغلبية الأسر، مقابل حضور محدود لمشاريع تستهدف ذوي الدخل المتوسط والمحدود.

‏وهنا يبرز سؤال يتردد في الشارع السوري: إذا كانت الحاجة الأكبر هي إلى السكن الميسر، فلماذا تتجه الاستثمارات العقارية نحو السكن الفاخر؟ ومن يبني لمن لا يستطيع تحمل أسعار السوق؟

‏السوق يختار

‏الخبير العقاري الدكتور محمد أنور وردة يرى أن ما يحدث ليس مفارقة عابرة، وإنما نتيجة لمنطق اقتصادي واضح، فالسوق ينتج ما يستطيع المستثمر بيعه وتحقيق عائد منه، وليس بالضرورة ما يحتاجه المجتمع.

‏ويقول وردة إن المستثمر يتجه إلى الشريحة التي تمتلك القدرة على الدفع، لأن السكن الشعبي يحتاج إلى أسعار منخفضة جداً وهوامش ربح محدودة، بينما يحقق المشروع الفاخر عوائد أعلى بكثير.

‏وتزداد المشكلة تعقيداً مع غياب التمويل المصرفي القادر على مساعدة الشرائح المتوسطة ومحدودة الدخل على شراء المساكن، أو تمويل المطورين لإنشاء مشاريع بأسعار ميسرة.

‏كلفة مرتفعة

‏وحسب وردة فإن المطور العقاري عندما يحاول خفض سعر الوحدة السكنية يصطدم بتكاليف مرتفعة تبدأ من تكلفة رأس المال، ولا تنتهي عند ثمن الأرض والبناء والبنية التحتية، ما يجعل إنتاج مسكن منخفض السعر صعباً وفق الآليات التجارية التقليدية.

‏كما تلعب الأرض دوراً حاسماً في تحديد طبيعة المشروع. فالأراضي داخل دمشق أو في المواقع الحضرية المرغوب فيها ذات قيمة مرتفعة، ما يدفع المستثمر إلى إقامة مشاريع تحقق عائداً أعلى لتعويض تكلفة الأرض وتحقيق هامش ربح مناسب.

‏ويرى وردة أن تخصيص أرض مرتفعة القيمة لمشروع منخفض السعر قد لا يكون، من وجهة نظر المستثمر، الاستخدام الاقتصادي الأكثر جدوى، وهنا تظهر إحدى أهم القضايا التي يفترض أن تدخل في صلب السياسة العقارية في سورية.

‏حاجة لا ربح

‏فالسوق ينظر إلى الطلب القادر على الدفع، بينما تنظر السياسة السكنية إلى الحاجة إلى السكن، وبين الاثنين تتسع الفجوة.

‏وبالتالي فإن الاعتماد على السوق وحده لن يؤدي بالضرورة إلى إنتاج السكن الذي تحتاجه أغلبية الأسر السورية، لأن العرض والطلب لا يكفيان وحدهما لمعالجة مشكلة ذات أبعاد اجتماعية واسعة.

‏ويؤكد وردة أن القطاع الخاص والمستثمرين والمطورين العقاريين لا يستطيعون بمفردهم حل مشكلة السكن الشعبي والاجتماعي، لأنهم يعملون بأدوات تجارية تبحث عن الجدوى والعائد، بينما يحمل توفير السكن الميسر وظيفة اجتماعية لا يمكن تحميلها بالكامل للقطاع الخاص.

‏من يتحمل المسؤولية؟

‏المشكلة إذا ليست في غياب الحاجة إلى السكن الشعبي، بل في غياب الجدوى التجارية الكافية لإنتاجه. وبين حاجة المجتمع ومنطق الربح، يبقى السكن الميسر الحلقة الأضعف ما لم تضع الدولة سياسة سكنية تجعل الاستثمار فيه ممكناً ومجدياً، أو تتولى هي هذه المهمة مباشرة.