المزيد

‫آخر الأخبار:‬

مكتبة “الوطن”: “الشجرة” وقصص أخرى في إصدار جديد من سلسلة “أدب الخيال العلمي”

‫شارك على:‬
20

الوطن ـ نجوى صليبه

في جبل “مينالوس”، حيث أيكة زيتون تجاور أطلال دارة قديمة، وبقربها قبر يبدو عليه الترف والبهاء لكنه تآكل كما تآكل المنزل، ومع ذلك ما تزال آيات من نحت ساحر تظهر بوضوح، وعند طرفه نمت شجرة زيتون مروّعة وكأنّها مسخ أو جسد إنسان شوّهه الموت، ما جعل القرويين يخشون المرور بجوارها، ويقولون إن الجبل مسكون، لكن الحقيقة هي كما رواها أحد مربّي النّحل، يقول إنّه في أوج هذه الدارة عاش نحاتان “كالوس” و”موسيدس”، وكانت أعمالهما تلقى مديح الجميع، ولم يجرأ أحد على قول إن أحدهما أفضل من الآخر، أو يعتقد أن الغيرة الفنية قد تعكر صفو صداقتهما الأخوية، مع معرفة الجميع بان طباعهما مختلفة، فـ”موسيدس” يعربد ليلاً، و”كالوس” يلزم منزله وينعم بالجلوس في الأيكة ويتأمل ويصمم روائع يخلدها الرخام الذي يتنفس، لدرجة أن البعض قال إنه يستلهم الوحي من الأرواح التي تسكن الأيكة.. هكذا مرّت الأيام إلى أن أرسل طاغية “سراكوزا” رجاله إليهما، طالباً منهما التنافس في نحت تمثال هائل الحجم ويكون عجيبة البلاد وحجة المسافرين، من دون أن يخفي أحدهما عمله عن الآخر، بل يمنحه النصح.. لم يعترض النحاتان على العرض، وبدأت أزاميلهما تضرب في الصخر على مدار أيام متواصلة، وبقيا على هذا المنوال إلى أن أعلن “موسيدس” عن مرض أصاب صديقه “كالوس” الذي تمنّى وهو على فراش الموت أن يحملوه إلى الأيكة التي أحبها، وطلب من صديقه أن يدفن مع قبره فروعاً من أشجار زيتون معينة، ورحل بصمت.. لم ينفّذ “موسيدس” الوصية، لكنّه بنى قبراً رخامياً جميلاً يفوق الوصف.. ثم التفت إلى التمثال ليكمله نهاراً، ويسهر بجوار قبر صاحبه ليلاً، حيث نمت شجرة زيتون قرب رأس النائم، وكان شكلها غريباً يوحي بالفتنة والنفور معاً.

مرّت ثلاث سنوات، وانتهى “موسيدس” من التمثال، فأرسل إلى الطاغية ليخبره بذلك، بدوره أرسل رجاله ليحملوا التمثال ويضعونه بجوار قبر “كالوس”، لكن كان للطبيعة رسالتها، فقد اكفهر وجه السماء، وتزايد عواء الريح، وفي الصباح اتجه رسل الطاغية إلى المنحدر ولم يروا أثراً لـ”موسيدس” ولا لغرفة نحته، فقد سقط غصن ثقيل من الشجرة عليها وأحال التمثال إلى حطام قبيح.. ليخيم الحزن على البلاد التي لم يبق لديها فنان تتوجه ولا تمثال تتباهى فيه، لكن ما تبقى لهم أيكة الزيتون والشجرة التي تخرج من قبر “كالوس”، والتي كثيراً ما سمع مربو النحل همس أغصانها “أنا أعرف.. أنا أعرف”.

كان هذا ملخص قصّة “الشّجرة” لكاتب الخيال الغريب وخيال الرعب الأمريكي “هوارد فيليبس لافكرافت” (1890ـ1937)، التي حملت عنوان العدد السادس والتسعين من سلسلة أدب الخيال العلمي الصادر عن الهيئة العامة السورية للكتاب، والذي يضمّ مختارات من قصص الخيال العلمي لعدد من المؤلّفين، وهي غابة الأموات لـ”ألجيرنون هنري بلاكوود” 1869ـ1951، روائي وصحفي وقاص إنكليزي، ولديه اهتمام بالظواهر الخارقة للطبيعة والروحانية وكان يؤمن إيماناً راسخاً بأن البشر يمتلكون قدرات كامنة، و”في المستنقعات” لـ”وليم فراير هارفي” 1885 ـ 1937 كاتب قصة قصيرة إنكليزي، اشتهر بأعماله في مجال الرعب والغموض، و”توبر موري” لـ”هيكتور هيو مونرو ـ ساكي”، و”هلوسة ستالي فليمنغ” لـ “أمبروز بيرس”، و”ذرات مسكونة” لـ”فان فوغت”، و “الجثة على الحاجز” لـ”هيو.ب.كيف”، و”شبح الطبيب هاريس” لـ”ناثانيل هاوثورن”، و”الوحش المجهول” لـ”هوارد إليس ديفز”، و”كهف الرعب” لـ”كابتن إس.بي. ميك”.

يتبع المؤلفون أسلوب القصّ والحكاية الشبيه بأسلوب الجدّات اللاتي كنّا يروين لأحفادهن قصصاً حول الخيال والأساطير والغيلان والخرافات، ويعتمدون سرداً يبدو واقعياً جدّاً، أي ليس ذاك الخيال الذي قد لا نتوقعه كما نشاهد في أفلام الخيال العلمي، وهذا ربّما ما يجعل القارئ يعتقد بإمكانية تعرّضه لحوادث مشابهة..

المختارات من ترجمة حسين تقي سنبلي، مواليد حمص 1971، ويحمل إجازة في الأدب الإنكليزي وإجازة في الترجمة والترجمة الفورية، وهو عضو اتحاد الكتاب العرب ـ جمعية الترجمةـ، صدر له كثير من الكتب والقصص المترجمة، من ترجماته مسرحية “الدكتور جوناثان” للأمريكي “ونستون تشرشل”، ورواية “الحب في زمن الكوليرا” لـ”غابرييل غارسيا ماركيز”.