لم تكن رحلات الحج السورية هذا العام تحديداً مجرد موسم ديني اعتيادي، بل بدت أقرب إلى إعلان رمزي عن نهاية مرحلة ثقيلة من الخوف والتهجير والإذلال، وبداية عهد جديد يستعيد فيه السوريون حقهم الطبيعي في العبادة والتنقل والكرامة الإنسانية.
فمشهد الحجاج وهم يغادرون من مطار دمشق الدولي مباشرة نحو الأراضي المقدسة، بعد أكثر من 12 عاماً من الشتات والتشظي، حمل في تفاصيله معنى سياسياً ووطنياً وإنسانياً عميقاً يتجاوز حدود المناسك ذاتها.
بينما في عهد النظام البائد، لم يكن الحج رحلة روحانية خالصة، بل كان اختباراً قاسياً يمر عبر دهاليز الأمن والولاءات والمحسوبيات، كان كثير من السوريين يخشون حتى الدعاء علناً لسوريا أمام الكعبة، خوفاً من التقارير الأمنية والملاحقات التي طالت الناس في أدق تفاصيل حياتهم الدينية والشخصية، ولم يكن مستغرباً آنذاك أن يتحول الحاج السوري إلى إنسان مثقل بالخوف حتى وهو يؤدي أكثر الشعائر الإسلامية قدسية.

سنوات طويلة اضطر فيها السوريون إلى السفر عبر المنافي ودول الجوار، متنقلين بين المطارات والحدود والتأشيرات المعقدة، بينما كان النظام يتعامل مع الحج بوصفه ملفاً أمنياً لا عبادة دينية، آلاف السوريين حُرموا من أداء الفريضة بسبب الملاحقة أو الفقر أو تعقيدات السفر، بينما ازدهرت شبكات الفساد والمحسوبيات في منح الفرص وتنظيم الحملات.
أما اليوم، وبعد تحرير سوريا، فإن الصورة تبدلت بصورة جذرية، وبات الحجاج السوريون يغادرون من وطنهم مباشرة بوجوه يغمرها الاطمئنان وبشعور نادر بالعزة والانتماء، ولم يعد السوري مضطراً لإخفاء هويته أو المرور عبر طرق التهجير الطويلة كي يصل إلى مكة، بل عاد يسافر من دمشق كما يفعل أي مواطن طبيعي في دولة تحترم أبناءها.
واللافت هذا العام لم يكن فقط عودة الرحلات المباشرة، بل حجم التنظيم والرعاية والمتابعة التي رافقت الموسم، فقد ظهرت الدولة السورية الجديدة بصورة مختلفة تماماً عن سنوات القهر السابقة؛ صالات حديثة في مطار دمشق، فرق خدمية متخصصة، بعثات صحية ودينية وإدارية، ومتابعة دقيقة لراحة كبار السن والحجاج منذ لحظة وصولهم وحتى عودتهم، حتى طريقة اختيار الحجاج تغيرت، إذ حلت القرعة الإلكترونية محل شبكات الوساطة والمحسوبيات، بما منح شعوراً عاماً بالعدالة والمساواة بين السوريين.
كما حمل الموسم رسالة وحدة مجتمعية واضحة، بعدما ضمت القوافل حجاجاً من مختلف المحافظات والتيارات والانتماءات، من دون تمييز سياسي أو مناطقي، وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة، شعر السوريون أن الدولة تتعامل معهم بوصفهم مواطنين متساوين، لا ملفات أمنية أو بيئات مشكوكاً بولائها.
وفي المقابل، بدا الترحيب السعودي بالحجاج السوريين استثنائياً هذا العام، سواء على مستوى التسهيلات الرسمية أم الحفاوة الشعبية، فقد تعاملت المملكة مع الحجاج السوريين بوصفهم ضيوفاً أعزاء عادوا أخيراً من سنوات المعاناة والحرب، وظهرت حالة من التعاطف الكبير منذ لحظة وصولهم إلى مطار جدة وحتى انتقالهم إلى مكة والمدينة المنورة، كما أن زيادة أعداد الحجاج السوريين وتحسين الخدمات المقدمة لهم حملت دلالات سياسية وإنسانية مهمة، تعكس حجم الانفتاح العربي على سوريا الجديدة بعد التحرير.
الحج السوري اليوم لم يعد مجرد رحلة دينية، بل تحول إلى صورة مكثفة عن التحول الكبير الذي تعيشه البلاد، فمن كان يهمس بالدعاء خوفاً من السجون، أصبح يرفع يديه بحرية، ومن كان يطوف بقلب مثقل بالمنفى، عاد يطوف وهو يشعر أن بلاده استعادت جزءاً من روحها المفقودة.
وربما لهذا السبب تحديداً، بدت دموع كثير من الحجاج السوريين هذا العام مختلفة؛ لم تكن دموع الوصول إلى مكة فقط، بل دموع الخلاص من زمن كامل من الخوف والقهر.
الوطن – أسرة التحرير








