تحمل القرارات الإستراتيجية في طياتها أبعاداً تتجاوز الأرقام الجافة والمعادلات الحسابية لتلامس عمق الاستقرار المجتمعي، ويأتي مرسوم زيادة معاشات المتقاعدين رسالة وفاء وطنية بامتياز، تترجم التزام الدولة الأخلاقي والإنساني تجاه شريحة قدمت زهرة عمرها في خدمة الوظيفة العامة وبناء مؤسساتها.
إن هذه الخطوة لا تقف عند حدود الدعم المالي المؤقت، بل تمثل لبنة أساسية في تعزيز منظومة الحماية الاجتماعية الشاملة، وصون كرامة المتقاعدين وأسرهم، وتأكيداً على أن التقاعد ليس نهاية المطاف، بل هو مرحلة يستحق فيها البناة الأوائل جني ثمار عطائهم بأمان واطمئنان.
المرسوم : الأطر القانونية والفئات المشمولة

وتجسيداً لهذه الرؤية، أصدر رئيس الجمهورية العربية السورية المرسوم رقم (135) لعام 2026، حيث نص في مادته الأولى على منح أصحاب المعاشات التقاعدية المشمولين بقانوني التأمين والمعاشات والتأمينات الاجتماعية وتعديلاتهما زيادة قدرها 30 بالمئة من المعاش التقاعدي المستحق بتاريخ نفاذ هذا المرسوم، مع وضع ضابط قانوني حاسم يقضي بألا يقل المعاش التقاعدي الجديد عن الحد الأدنى العام للأجور المحدد في المرسوم رقم (67) لعام 2026 والبالغ 12,560 ليرة سورية جديدة، الذي يعني زيادة عن الحد الأدنى القديم بنحو 56 بالمئة.
وقد حدد المرسوم بشكل تفصيلي الفئات المستفيدة من هذه الزيادة، لتشمل المستحقين من أصحاب المعاشات التقاعدية (وتوزع الزيادة عليهم وفق الأنصبة المحددة في القوانين والأنظمة الخاضعين لها)، وأصحاب المعاشات المستحقين لمعاشات عجز طبيعي، وأصحاب معاشات عجز الإصابة الكلي، فضلاً عن أصحاب معاشات إصابة العجز الجزئي من المدنيين غير الملتحقين بعمل ولا يتقاضون معاشاً آخر من أي جهة تأمينية أخرى باستثناء الحصة المتنقلة.
وفي سياق متصل بضمان العدالة للمتقاعدين الجدد، أقرت المادة الثانية عدم جواز أن يقل المعاش التقاعدي الجديد لأي من العاملين في الجهات العامة والجهات التي تطبق أحكام المرسوم التشريعي رقم (60) لعام 2013 عند إحالته على التقاعد بعد نفاذ هذا المرسوم، عن المعاش الذي كان سيستحقه فيما لو أحيل على التقاعد في اليوم السابق لتاريخ نفاذه مضافاً إليه الزيادة المقررة في المادة الأولى.
ومن جانب آخر، وضعت المادة الثالثة سقفاً محدداً للزيادة بحيث لا يجوز أن يتجاوز مقدار الزيادة على المعاش التقاعدي الذي يتقاضاه أصحاب المعاشات التقاعدية ممن عملوا في غير الجهات العامة بموجب أحكام هذا المرسوم عن أعلى مقدار زيادة معاش يتقاضاه أصحاب المعاشات التقاعدية ممن كانوا عاملين في الدولة، بينما أوكلت المادة الرابعة لوزير المالية بالتنسيق مع وزير الشؤون الاجتماعية والعمل مهمة إصدار التعليمات التنفيذية لأحكام هذا المرسوم، ليكون نافذاً بموجب المادة الخامسة بدءاً من تاريخ الأول من حزيران لعام 2026.
مسار تدريجي لإصلاح الأجور والمعاشات
لا يمكن فصل هذا المرسوم الذي جاء بالتزامن مع احتفالات عيد الأضحى المبارك عن الرؤية الاقتصادية الأشمل للدولة، إذ تأتي هذه الزيادة جزءاً من مسار تدريجي مدروس لإصلاح منظومة الأجور والمعاشات.
هذا المسار يوازن بدقة متناهية بين تطلعات المتقاعدين المشروعة في حياة كريمة، وبين الإمكانات المتاحة والموارد الاقتصادية والمالية للدولة، ومن خلال هذا التوازن، تضمن الدولة استدامة هذه الصناديق التأمينية وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها المستقبلية، وهو ما يجعل من القرار خطوة بنيوية تؤسس لمراحل قادمة من التحسين المستمر، وليس مجرد إجراء استثنائي معزول عن الواقع الاقتصادي.
كما أن الأثر النفسي والاجتماعي لهذه الخطوة يمتد ليشمل المجتمع بأسره، حيث يسهم هذا القرار بشكل مباشر في تخفيف الأعباء المعيشية عن كاهل المتقاعدين وأسرهم وسط التحديات الحالية، أضف إلى ذلك، إن هذه الخطوة تبعث برسالة طمأنة بليغة إلى الموظفين على رأس عملهم اليوم، مفادها أن غدهم مستقر وأن كرامتهم المعيشية مصونة، ما يعزز الثقة بالوظيفة العامة ويرسخ قيم الولاء المؤسسي، انطلاقاً من خطاب تكاملي ينظر إلى الشغيلة والمتقاعدين كجسد واحد في مسيرة البناء والتنمية، بعيداً عن لغة المقارنات الحسابية الضيقة، مع تأكيد أن هذه الزيادة تمثل “مرحلة أولى” تخضع للتقييم والمراجعة المستمرة لضمان تحقيق الأثر الاقتصادي الإيجابي المرجو للمستفيدين، بما يواكب المتغيرات ويضمن استمرارية العيش الكريم لكل من خدم الوطن بصدق وأمانة.
الوطن – أسرة التحرير








