يرى عميد كلية الاقتصاد في جامعة اللاذقية الدكتور عبد الهادي الرفاعي، في حديثه لـ”الوطن”، أن زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى نيويورك تأتي في توقيت حساس جداً، بالتزامن مع تحركات دبلوماسية واقتصادية غير مسبوقة، ما يمنحها دلالات تتجاوز المشاركة البروتوكولية في الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وقبل أيام من وصوله إلى نيويورك، شهدت دمشق زيارة هي الأولى من نوعها لبعثة غرفة التجارة الأمريكية، ضمت 50 شركة وأكثر من 80 مبعوثاً، وهو تزامن يشير، بحسب الرفاعي، إلى أن الزيارة قد تكون نقطة تحول استراتيجية وليست مجرد حدث رمزي.
من رفع القيود إلى جذب الاستثمار
ويشير الرفاعي إلى أن الإطار القانوني أصبح جاهزاً بدرجة كبيرة، إذ أُلغي تصنيف سورية “دولة راعية للإرهاب” في آب 2026، ورُفعت آخر القيود المتعلقة بمبيعات الأسلحة في أيلول، ما يزيل العوائق القانونية الرئيسية أمام القطاع الخاص.
وفي الوقت نفسه، أصبح الخطاب الاقتصادي هو السائد، إذ شدد الرئيس الشرع خلال لقائه برجال الأعمال في واشنطن على “بناء جسور تواصل مباشرة مع مجتمع الأعمال”، كما التقت الإدارة السورية أعضاء في الكونغرس الأمريكي لدعم جهود إعادة الإعمار.
لكن الرفاعي يؤكد أن الاختبار الحقيقي لا يتمثل في رفع القيود وحده، بل في قدرة سوريا على توفير الشروط الاقتصادية التي تحول الانفتاح إلى استثمارات فعلية.
إصلاح مصرفي وتشريعي
ويأتي في مقدمة هذه الشروط إعادة الاتصال بالمنظومة المالية العالمية فقد بدأت تظهر علامات أولية، مثل أولى معاملات “فيزا” و”ماستركارد” في سوريا منذ 15 عاماً، لكن ذلك يحتاج إلى معالجة “المشكلات المصرفية” التي لا تزال قائمة.
كما يتطلب الأمر تطوير بيئة تشريعية ومؤسسية جاذبة وفي هذا السياق، تحدثت هيئة الاستثمار السورية عن “تطوير المنظومة وأدواتها ونماذج الشراكة والحوافز”، إلا أن الرفاعي يشدد على ضرورة تحديث قوانين الاستثمار لتوفير ضمانات واضحة للملكية، وآليات تحكيم دولية مستقلة، وتحسين الحوكمة القضائية لمكافحة الفساد.
ويضيف أن الاستقلال المؤسسي والشفافية يمثلان جانباً آخر من متطلبات المرحلة، من خلال خطوات استراتيجية تشمل تعزيز استقلالية المصرف المركزي السوري، وإعادة هيكلة المصارف بما يتوافق مع معايير بازل 3، وتوحيد سعر الصرف، وإزالة القيود على تحويل الأرباح ورأس المال.
الطاقة والمدفوعات في مقدمة القطاعات
وبشأن القطاعات الأكثر جذباً للشركات الأمريكية، يرى الرفاعي أن المؤشرات المستخلصة من الاجتماعات والاتفاقيات الأخيرة تضع الطاقة، ولاسيما النفط والغاز، في مقدمة القطاعات الأكثر تقدماً على أرض الواقع.
ففي حزيران 2026، وقعت الشركة السورية للنفط عقوداً مع شركتي كونوكو فيليبس ونوفاتيرا لتطوير حقول غازية، كما جرى بحث التعاون مع شيفرون في مجال الاستكشاف البحري وترى الشركات الأمريكية أن “الخبرة والتقنيات الأمريكية يمكن أن تساهم في تطوير قطاع النفط السوري وزيادة الإنتاج”.
أما البنية التحتية والاتصالات، فتأتي في ظل احتياجات إعادة إعمار هائلة، فيما بدأت شركات مثل “فيزا” و”ماستركارد” العمل على إعادة ربط سوريا بمنظومة المدفوعات العالمية، إلى جانب وجود اهتمام واضح بالبنية التحتية للطاقة والنقل.
ويعتبر الرفاعي أن التكنولوجيا والإسكان يمثلان قطاعين واعدين نظرياً، لكنهما يحتاجان إلى رؤية أوضح فالتكنولوجيا تأتي في سياق تحديث الإجراءات الرقمية ومكافحة البيروقراطية، بينما يرتبط الإسكان بتمويل ضخم يحتاج أولاً إلى استقرار مصرفي.
البيئة التشريعية أمام الاختبار
وعن مدى كفاية البيئة التشريعية والمؤسسية، يشير الرفاعي إلى أن المعطيات تظهر وجود تحرك لتطوير التشريعات، لكنها لا تزال بحاجة إلى اختبار فعلي.
ويستشهد بالواقع العملي في المعرض الدولي بدمشق، حيث أظهرت التجربة أن الشركات الأجنبية لا تزال ترى “مشكلات مالية ومصرفية” و”تحديات لوجستية” وإذا كانت هذه التحديات قائمة أمام شركات من دول لم تكن تخضع لعقوبات أمريكية شاملة، فإنها ستكون أكبر أمام الشركات الأمريكية التي بدأت بدخول السوق السورية حديثاً.
من الاستثمار إلى الإنتاج الحقيقي
ويرى الرفاعي أن المخاوف من تحول الاستثمارات إلى مجرد “مشاريع استيرادية” أو خدمية هي مخاوف حقيقية، وأن ضمان تحولها إلى نمو فعلي يتطلب الاعتماد على نموذج الشراكة في الإنتاج وليس مجرد البيع.
ويأتي نقل التكنولوجيا والخبرة في مقدمة هذه الأولويات، فالمطلوب ليس مجرد شراء معدات، وإنما تطوير الكفاءات المحلية وقد تحدث ممثل شركة أمريكية في دمشق عن أن الهدف هو “دعم تطوير قطاع الغاز: من خلال التعاون التقني، وهو نوع من الشراكات يمكن أن يزيد الإنتاج الفعلي.
كما أن الاندماج في سلاسل القيمة العالمية يمكن أن يفتح أمام سوريا الباب للاندماج في سلاسل التوريد الأوروبية، وفق ما يراه خبراء ألمان، شرط الالتزام بمعايير الجودة “ISO/DIN” والشفافية، بما يجعل سوريا مصدراً وليست سوقاً استهلاكية فقط، ويضاف إلى ذلك ضرورة وجود إطار قانوني يشجع الإنتاج، إذ إن التركيز على “القطاعات الإنتاجية” في خطة التعافي الاقتصادية، كما ظهر في اجتماعات مع البنك الدولي، قد يكون مؤشراً إيجابياً إذا ترجم إلى سياسات فعلية.
ويخلص الرفاعي إلى أن زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى نيويورك يمكن أن تكون نقطة الانتقال المطلوبة، لكنها بداية لمسار طويل وليست نهايته فالفارق بين رفع القيود وجذب الاستثمار الحقيقي يكمن في تنفيذ الإصلاحات المؤسسية والمصرفية التي تجعل المستثمر يشعر بأن أمواله وإنتاجه في بيئة مستقرة وشفافة.
وبحسب الرفاعي، فإن القطاعات الأكثر جهوزية هي الطاقة والمدفوعات، بينما تحتاج قطاعات الإسكان والتكنولوجيا إلى وقت أطول وبناء أساس مصرفي وتشريعي أقوى.






