في عالم يشهد تحوّلات متسارعة في موازين القوى والعلاقات الدولية، لم تعد إفريقيا مجرد قارة غنية بالموارد الطبيعية أو سوق واعدة للاستثمارات العالمية، بل أصبحت لاعباً مؤثراً في صياغة مستقبل النظام الدولي، وعليه تكتسب الفعاليات التي تحتفي بيوم إفريقيا أهمية خاصة، لأنها تسلّط الضوء على الدور المتنامي للقارة وعلى فرص التعاون التي يمكن أن تنشأ بينها وبين مختلف دول العالم، ومنها سوريا.
المحاضرة التي نظّمها المعهد الدبلوماسي في وزارة الخارجية السورية بالتعاون مع الاتحاد الإفريقي بمناسبة يوم إفريقيا لم تكن مجرد نشاط بروتوكولي أو مناسبة احتفالية، بل حملت دلالات سياسية ودبلوماسية عميقة، فهي تعكس وعياً بأهمية الانفتاح على القارة الإفريقية وتعزيز الحوار معها في مرحلة تتجه فيها العلاقات الدولية نحو مزيد من التنوّع في الشراكات والتحالفات.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن إفريقيا لم تعد هامشاً في السياسة الدولية، بل أصبحت في قلبها، فالقارة التي تضمّ عشرات الدول ومئات الملايين من الشباب تمتلك إمكانات اقتصادية وبشرية تجعلها أحد أهم مراكز النمو في القرن الحادي والعشرين، كما أن ثقلها السياسي داخل المؤسسات الدولية يمنحها قدرة متزايدة على التأثير في القرارات والقضايا العالمية.

وفي هذا الإطار، تبدو العلاقات السورية الإفريقية أكثر من مجرد علاقات دبلوماسية تقليدية، فهناك إرث تاريخي مشترك يقوم على دعم قضايا التحرّر الوطني ومناهضة الهيمنة الخارجية واحترام سيادة الدول، حيث شكّلت هذه المبادئ على مدى عقود أرضية صلبة للتفاهم بين سوريا والعديد من الدول الإفريقية، سواء في المحافل الدولية أم عبر العلاقات الثنائية.
واليوم، ومع ما يشهده العالم من إعادة تشكيل لخريطة المصالح والتحالفات، تبدو الحاجة ملحّة لتطوير هذه العلاقات والانتقال بها من مستوى التضامن السياسي إلى فضاءات أوسع تشمل الاقتصاد والثقافة والتعليم والاستثمار والتبادل المعرفي، فالمصالح المشتركة بين الجانبين كبيرة، والإمكانات المتاحة تسمح ببناء شراكات حقيقية تعود بالفائدة على الجميع.
إن الاحتفاء بيوم إفريقيا في دمشق يحمل رسالة واضحة مفادها أن القارة الإفريقية ليست شريكاً بعيداً جغرافياً، بل شريكاً استراتيجياً تربطه بسوريا روابط تاريخية وإنسانية وسياسية عميقة، وفي زمن تتزايد فيه أهمية التعاون بين دول الجنوب، يمكن لهذه العلاقات أن تشكّل نموذجا للتعاون القائم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة بعيداً عن منطق الهيمنة والاستقطاب.
من نافلة القول: إن مستقبل العلاقات الدولية لن يصنع فقط في العواصم التقليدية الكبرى، بل سيكون لإفريقيا دور متزايد في رسم ملامحه، ومن مصلحة سوريا أن تعزّز حضورها في هذا الفضاء الحيوي، مستندة إلى تاريخ من العلاقات الإيجابية وإلى رؤية تؤمن بأن الشراكات المتوازنة هي السبيل الأمثل لمواجهة تحدّيات العالم المعاصر.
الوطن – أسرة التحرير







