المزيد

‫آخر الأخبار:‬

12 ألفاً أمام 80 ألفاً.. كم يشتري الراتب السوري اليوم؟

‫شارك على:‬
20
هناء غانم
الوطن -

12,560 ليرة سورية جديدة هو الحد الأدنى للأجر الشهري، لكن هذا الرقم يواجه في السوق أرقاماً أكبر بكثير. ففي حزيران 2026، بلغت تكلفة المكوّن الغذائي لسلة الحد الأدنى للإنفاق لأسرة من خمسة أشخاص 16,825 ليرة، فيما وصلت تكلفة السلة كاملة إلى نحو 26,551 ليرة، وفق بيانات برنامج الأغذية العالمي.
بمعنى آخر، كان الحد الأدنى للأجر يغطي نحو 75% من تكلفة الغذاء الأساسية، ونحو 47% من إجمالي سلة الحد الأدنى للإنفاق. لكن هذه المعادلة المعيارية تفتح سؤالاً أكثر أهمية: هل تعكس السلة المستخدمة في القياس ما تنفقه الأسرة فعلياً؟
الباحث والخبير الاقتصادي د. ياسين العلي يطرح رقماً مختلفاً، في تصريح “للوطن” مع التأكيد أنه تقدير شخصي وليس إحصائية رسمية، إذ يفترض أن سلة غذائية شهرية أقرب إلى واقع استهلاك أسرة من خمسة أشخاص قد تصل إلى نحو 80 ألف ليرة سورية جديدة.
تكلفة المواطن من الغذاء!
إذا أثبت القياس الميداني اقتراب الإنفاق الفعلي من هذا المستوى، فإن الحد الأدنى للأجر لن يغطي سوى نحو 16% من الغذاء الشهري، وستحتاج الأسرة إلى أكثر من ستة أمثال هذا الأجر لتأمين غذائها فقط.
وهنا تظهر أهمية الفارق بين «السلة المعيارية» و«السلة التي تعيشها الأسرة». فالأولى تقيس حداً أدنى وفق منهجية محددة، بينما الثانية تتأثر بما تشتريه الأسرة فعلياً، وكميات الاستهلاك، والأسعار المتغيرة، ونوعية الغذاء.
ولا تقف الضغوط عند الغذاء. ففي أيلول ارتفع سعر المازوت من 125 إلى 175 ليرة، بزيادة 40%. ولا يعني ذلك ارتفاع الغذاء بالنسبة نفسها، إذ تتداخل عوامل الإنتاج والاستيراد والعرض وسعر الصرف والنقل والتوزيع، لكن الطاقة تبقى جزءاً من تكلفة انتقال السلع من المنتج إلى المستهلك.

سيناريو الأسعار:
ومع غياب سلة نشرة شهر أيلول بالمنهجية نفسها، يمكن استخدام بيانات حزيران لاختبار حساسية الأجر. فإذا ارتفعت تكلفة السلة 10% تنخفض نسبة تغطية الأجر إلى نحو 68%، وعند 20% إلى 62%، وعند 30% إلى 57%. أما سيناريو ارتفاع 40% فيخفضها حسابياً إلى نحو 53%، أي ما يعادل قرابة 16 يوماً من تكلفة الغذاء.
وهذا اختبار حسابي، لا تقديراً لارتفاع أسعار الغذاء ولا افتراضاً بانتقال زيادة المازوت إليها بالكامل.
د. العلي يرى أن قيمة الأجر لا تحددها قيمته الاسمية، بل ما يستطيع تمويله من حياة الأسرة. ومن هذه الزاوية، يصبح «المعاش» مؤشراً على القدرة الشرائية أكثر منه رقماً في كشف الراتب.
تعويض العجز !!
والفجوة لا تظهر في الغذاء وحده؛ فالسكن والنقل والطاقة والصحة والتعليم تتنافس على الدخل نفسه. لذلك فإن السؤال الاقتصادي الأهم لم يعد كم يبلغ الراتب، وإنما أي جزء من الحياة يستطيع هذا الراتب أن يغطي النفقات قبل أن تضطر الأسرة إلى تعويض العجز من عمل إضافي أو تحويلات أو مدخرات أو دين؟
وبين 12,560 ليرة كحد أدنى للأجر، و16,825 ليرة كسلة غذائية معيارية، و80 ألف ليرة كفرضية تحتاج إلى اختبار ميداني، تتشكل المسافة التي ينبغي قياسها بدقة: المسافة بين الدخل الذي تحصل عليه الأسرة، وتكلفة الحياة التي تواجهها فعلياً.