شهدت الحوالات الخارجية إلى سوريا خلال الأيام الماضية ارتفاعاً ملحوظاً، إذ تشير تقديرات اقتصادية إلى أن حجم الحوالات اليومية تراوح بين 15 و20 مليون دولار، مع تسجيل زيادة تتجاوز 35 بالمئة خلال مواسم الأعياد، وفق ما أكده لـ“الوطن” الخبير الاقتصادي د. باسم المصطفى. وأوضح المصطفى أن هذه التدفقات المالية القادمة من المغتربين باتت تمثل شرياناً أساسياً للحياة اليومية داخل سوريا، وقد تحولت خلال سنوات الحرب بشكل فعلي إلى “اقتصاد موازٍ” داخل البلاد، يسهم في إبقاء الحد الأدنى من الدورة الاقتصادية قيد الاستمرار، في ظل الانكماش الكبير في الإنتاج المحلي وتراجع الصادرات وتحديات السيولة النقدية.فالحوالات لم تعد تقتصر على كونها دعماً عائلياً، او كما يقال بمثابة “بحصة تسند جرة” للاقتصاد ، بل مشهد يكشف بوضوح كيف باتت الحوالات تشكل العمود الفقري غير المعلن للاقتصاد السوري.، ما جعلها تؤثر بشكل مباشر على حركة الأسواق المحلية، وعلى مستويات الطلب والأسعار، رغم أنها لا تمر عبر القنوات الاقتصادية الرسمية بشكل كامل.
وأشار المصطفى إلى أن انعكاسات الحوالات على الاقتصاد السوري تحمل طابعاً مزدوجاً؛ فمن جهة أسهمت في تخفيف حدة الانهيار المعيشي عبر تمويل الاستهلاك الأسري وتغطية الاحتياجات الأساسية من الغذاء والدواء والإيجار والطاقة، ومن جهة أخرى أدت إلى تعزيز نمط الاقتصاد الاستهلاكي على حساب الاقتصاد الإنتاجي، ورفعت منسوب الاعتماد على الخارج بشكل متزايد.
وحذّر من أن استمرار هذا الاعتماد المرتفع يجعل الاقتصاد السوري أكثر هشاشة أمام أي صدمات خارجية، سواء المرتبطة بتغيرات أوضاع الجاليات السورية في الخارج، أم التقلبات الاقتصادية في الدول المستقبلة للمغتربين، أو أي تشديد محتمل في سياسات التحويلات المالية عالمياً، الأمر الذي قد ينعكس سريعاً على الداخل السوري.

وشدد المصطفى على أن الجزء الأكبر من الحوالات يُستهلك في النفقات الجارية المباشرة، ما يعني أنها تنشط حركة الأسواق بشكل مؤقت، لكنها لا تُنتج أثراً تنموياً مستداماً أو قاعدة إنتاجية قادرة على تقليل الاعتماد عليها مستقبلاً.
وفي هذا السياق، يطرح المصطفى مجموعة من التوصيات الاقتصادية الهادفة إلى تحويل الحوالات من أداة دعم استهلاكي إلى رافعة تنموية حقيقية، عبر:
أولاً: العمل على تقليص الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق الموازي، بما يحد من التشوهات النقدية ويعزز الثقة بالقنوات النظامية للتحويل.
ثانياً: تخفيف القيود والإجراءات البيروقراطية المرتبطة بالتحويلات والسحب، بما يسهل تدفق الأموال ويزيد من فاعلية دورانها داخل الاقتصاد المحلي.
ثالثاً: تنظيم وتطوير الاقتصاد الرقمي والمنصات الإلكترونية المالية، بما يتيح دمج جزء من التحويلات ضمن الدورة الاقتصادية الرسمية وتحت رقابة مصرفية واضحة.
رابعاً: إنشاء صناديق ائتمان تتيح للمغتربين توجيه جزء من حوالاتهم نحو مشاريع إنتاجية صغيرة ومتوسطة في قطاعات الزراعة والصناعة والخدمات، بما يسهم في خلق فرص عمل حقيقية وتحريك عجلة الإنتاج.
ويختم المصطفى بالتأكيد على أن الحوالات الخارجية، رغم كونها اليوم “صمام أمان” للاقتصاد السوري ورافعة أساسية لاستمرار الحياة المعيشية، إلا أنها لا يمكن أن تشكل بديلاً دائماً عن اقتصاد إنتاجي متكامل، بل ينبغي التعامل معها كفرصة انتقالية يمكن استثمارها لبناء نموذج اقتصادي أكثر استدامة وتوازناً في المستقبل.








