ما جرى قبل أيام في مدينة حمص من أحداث عقب جريمة القتل التي شهدتها بلدة زيدل، حيث عُثر على رجل وزوجته مقتولين داخل منزلهما، وما شهدتها محافظة اللاذقية وطرطوس وبعض المناطق في حمص وحماة من تظاهرات تدعو إلى سيادة القانون، والإفراج عن الموقوفين بعد التحرير، وحرمة الدم السوري، برز مشهد لافت وجديد على المجتمع السوري، وهو دور قوى الأمن وطريقتها في التعاطي مع الأحداث، والتظاهرات بشكل سريع وحازم، والوقوف على مسافة واحدة من الجميع، وذلك في إطار سلوك أخلاقي وقيمي ومهني جديد، بما يخدم سياسة الحكومة القائمة على مبدأ، مستقبل البلاد يحدده السوريون من خلال القانون والدولة مظلة الجميع واحترام حق التظاهر السلمي.
يشكّل الخطاب السياسي الرسمي إحدى أهم الأدوات التي تعكس توجهات الدولة ورؤيتها للمستقبل، لا سيما في البلدان التي تمر بظروف معقّدة أو تحديات داخلية، وفي السياق السوري، يبرز خطاب يستند إلى ثلاثية أساسية.. مستقبل سورية يقرره السوريون أنفسهم، وسيادة القانون بوصفه مظلة الجميع، واحترام حق التظاهر السلمي كجزء من الحياة السياسية، هذا الخطاب، بما يحمله من مضامين، لا يعبر فقط عن توجه سياسي، بل يفتح كذلك نقاشاً حول طبيعة العقد الاجتماعي وآليات إدارة الشأن العام.
مستقبل سورية يحدده السوريون
يضع هذا المبدأ المواطن في موقع الفاعل الأساسي لا المتلقي، فالإصرار على أن مستقبل البلاد لا يرسم إلا بإرادة السوريين يهدف إلى تكريس مفهوم السيادة الوطنية، وإبعاد التدخلات الخارجية عن المعادلة السياسية، الأمر الذي بدا جلياً في تعليق المتحدث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا عما جرى اليوم من أحداث بالساحل بقوله: ” الجهات التي تروّج وتسوق للفوضى في مناطق الساحل كلها موجودة خارج البلاد ومنفصلة عن الواقع المعيشي لأهلنا في الساحل”.
من المؤكد أن هذا الخطاب يعزز الشرعية الداخلية لأن الدولة هي الوحيدة الحامية لحق الشعب في تقرير مصيره، وأن جميع ما يأتي من الخارج عبر بيانات أو أوامر للبعض في الداخل السوري، هو بعيد كل البعد عن النسيج الداخلي، ويحمل في طياته تدخلات خارجية ومشاريع ضيقة لا تنم عن مصلحة الداخل السوري، الأمر الذي بينه البابا بقوله:” الجهات التي تروّج وتسوّق للفوضى في مناطق الساحل كلها موجودة خارج البلاد ومنفصلة عن الواقع المعيشي لأهلنا في الساحل”.
القانون مظلة الجميع
يحتل مبدأ سيادة القانون موقعاً مركزياً في الخطاب، إذ يشير إلى أن الضمان الوحيد لعدالة العلاقة بين الدولة والمجتمع هو تطبيق القانون بشكل متساوٍ على الجميع من دون استثناء، وهذا المبدأ يزرع الطمأنينة في نفوس المواطنين، عبر التأكيد على الاستقرار المؤسسي، والابتعاد عن الأساليب الاستثنائية في إدارة الأزمات، وقوة هذا المبدأ وترجمته بدت من خلال تواجد القوى الأمنية في مكان الأحداث ووقوفها على مسافة واحدة من الجميع، وبغرض فرض الأمن والأمان وقمع أي انتهاك وتعد على الممتلكات العامة والخاصة.
احترام حق التظاهر السلمي
أما احترام حق التظاهر السلمي فهو مؤشر على انفتاح سياسي جديد يعترف بالحقوق المدنية ويفتح المجال أمام مشاركة المجتمع في التعبير عن مطالبه، ويُعد هذا التحول أحد أهم المكتسبات في الحياة السورية الجديدة، حيث بات بإمكان المواطنين الاحتجاج أو الاعتصام بطريقة سلمية وتحت سقف القانون، بما يجعل الحلول السياسية أقل تكلفة من الحلول الأمنية، ويعزز ثقافة الحوار بدلاً من الصدام.






