يكتسب المرسوم رقم (13) الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع يوم أمس الجمعة، أهميته من كونه خطوة تأسيسية في مسار طويل يتطلب سياسات تنفيذية واضحة، وتشريعات مكمّلة، وحواراً مجتمعياً عميقاً يرسّخ ثقافة التعدد والاحترام المتبادل، وكونه محطة سياسية وقانونية بالغة الدلالة في مسار الدولة السورية تجاه قضايا التنوع والحقوق الثقافية والمدنية، فالمضمون الذي حمله المرسوم لا يقتصر على بعدٍ إجرائي أو إداري، بل يتجاوز ذلك ليؤسس لتحول مفاهيمي في مقاربة الدولة لموضوع المكوّن الكردي بوصفه جزءاً أصيلاً من النسيج الوطني السوري، له حقوقه الثقافية واللغوية والمدنية المكفولة في إطار المواطنة الجامعة.
وفي هذا السياق أوضح المعتصم الكيلاني الخبير القانوني المقيم في باريس والمختص في مجال حقوق الإنسان والقانون الجنائي الدولي، في تصريح لـ”الوطن” أن المرسوم يعزز الاندماج الوطني ويقلل دوافع الصراع الداخلي، من خلال الاعتراف بالمكوّن الكردي، وحماية الهوية الثقافية واللغوية، وإقرار “النوروز” عطلة وطنية، مشيراً إلى أنها كلها خطوات باتجاه سوريا جامعة بدل نموذج الإقصاء، وهو ما يتسق مع معايير حماية الأقليات دولياً.
وأشار الكيلاني إلى أن إلغاء آثار إحصاء 1962 بالحسكة، ومنح الجنسية لمن تضرّروا منه يمكن أن يعالج أحد أعمق مصادر الهشاشة القانونية (الحرمان من التسجيل المدني، التعليم، العمل، التملك… إلخ) التي وثّقتها منظمات دولية وحقوقية، مبينا أنه عندما تُبنى الشرعية على المواطنة المتساوية بدل الهوية الأحادية، يزيد من قبول الدولة من جماعات تشعر تاريخياً بالتهميش، ما يرفع فرص الاستقرار طويل الأمد. وهذا منسجم مع الإطار الدولي لحقوق الأقليات (وخاصة الحقوق اللغوية والثقافية).

وفي تحليل قانوني- حقوقي لمضمون المرسوم قال الكيلاني:” الوثيقة تُظهر مرسوماً ذا طابع دستوري-حقوقي يتناول، الاعتراف بالمواطنين السوريين الكُرد كجزء أصيل من الشعب السوري، وحماية التنوع الثقافي واللغوي، وإقرار اللغة الكردية لغة وطنية يُسمح بتدريسها، ومعالجة آثار إحصاء عام 1962 في الحسكة (قضية عديمي الجنسية)، وتجريم التمييز وخطاب الكراهية، واعتماد عيد “النوروز” عطلة رسمية”، مضيفاً ” من حيث المرتبة القانونية، يُعد هذا المرسوم، تفسيراً وتفعيلاً لمبادئ دستورية عامة (المواطنة، المساواة)، وتشريعاً انتقالياً ذا طبيعة تأسيسية إذا كان في سياق مرحلة سياسية جديدة.
وأكد الكيلاني أن المرسوم يتوافق مع العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (ICCPR)، ولا سيما المادتين 2 و 26 اللتين تحظران التمييز على أساس العرق أو اللغة، وإعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الأقليات (1992)، الذي يكفل حق الأقليات في التمتع بثقافتها ولغتها.
وبالنسبة للأثر الحقوقي، أوضح الكيلاني أن المرسوم يعزز مفهوم المواطنة المتساوية، والانتقال من دولة الهوية الأحادية إلى دولة الاعتراف بالتعدد، وأن إقرار تدريس اللغة الكردية، ولو كجزء من المناهج الاختيارية، ينسجم مع المادة 27 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية التي تحمي حق الأقليات في استخدام لغتها، والممارسات الدستورية المقارنة في الدول متعددة القوميات. وشدد الكيلاني على أن نجاح بند تدريس اللغة الكردية مشروط بصدور تشريعات تنفيذية واضحة، ومعايير موحدة للمناهج، وضمان عدم التمييز بين المناطق.
وتابع الكيلاني:” إلغاء آثار إحصاء 1962 ومنح الجنسية يُعدان التزاماً مباشراً بالقانون الدولي لحقوق الإنسان، ومعالجة لأحد أخطر الانتهاكات البنيوية في تاريخ سوريا الحديث، وهو يتوافق مع اتفاقية خفض حالات انعدام الجنسية (1961) ومبادئ المفوضية السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR).”.
وبين أن تجريم التمييز وخطاب الكراهية ينسجم مع المادة 20 من ICCPR حظر الدعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية، والمعايير الأوروبية والدولية في موازنة حرية التعبير مع حماية السلم الأهلي.
وشدد على أن أثر المرسوم المحتمل على مستقبل سوريا الجديدة هو إيجابي جداً حيث يمهّد لدولة مدنية تعددية، ويعالج مظالم تاريخية تُهدد السلم الأهلي، على أن يتم دمجه ضمن دستور دائم، بمشاركة وطنية شاملة لا تقتصر على مكوّن واحد.و بين الكيلاني أن الاعتراف بالتنوع لا يُضعف الدولة، بل يقلّل النزعات الانفصالية، ويعزز الانتماء الطوعي للدولة.
الوطن








