تبدو المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران في مرحلة متقدّمة من حيث الشكل، لكنها ما زالت عالقة في جوهر الخلافات، فالتصريحات الصادرة عن الجانبين تكشف عن مفارقة واضحة، خطاب أميركي يتحدّث عن “تقدّم ملموس” في المسار التفاوضي، مقابل خطاب إيراني يشدّد على “اتفاق عادل ومتوازن” يضمن “الحقوق السيادية”، ما يعكس تبايناً في تعريف كل طرف لما يمكن اعتباره نجاحاً.
في خلفية هذا المشهد، تبرز قضايا حساسّة تتعلّق ببرنامج تخصيب اليورانيوم والرقابة الدولية والعقوبات الاقتصادية، وهنا تربط الولايات المتحدة أي انفراجة بوقف طويل الأمد للأنشطة النووية عالية الحساسية، بينما تعتبر طهران أن أيّ التزام من هذا النوع يجب أن يقابله رفع تدريجي وملموس للعقوبات، لا مجرد وعود سياسية من الممكن التراجع عنها، هذا التناقض لا يمنع التقدّم، لكنه يضع سقفاً منخفضاً لطبيعة الاتفاق المحتمل.
ويضيف الدور الذي تلعبه باكستان عنصراً مختلفاً إلى معادلة التفاوض، فإسلام آباد تتحرّك كوسيط هادئ يسعى إلى تقليص فجوة الثقة بين الطرفين، مستفيدةً من علاقاتها المتوازنة مع واشنطن وطهران، ورغم أن هذا الدور لا يملك أدوات ضغط حقيقية، فإنه يوفّر قناة اتصال غير مباشرة قد تكون حاسمة في لحظات التعثّر، وخصوصاً عندما تتعقد النقاشات التقنية وتتصاعد الحساسية السياسية.

من حيث فرص النجاح، فإن المعطيات تشير، وفق مصادر متابعة، إلى أن السيناريو الأكثر واقعية يتمثّل في “اتفاق مرحلي محدود النطاق”، وليس تسوية شاملة، وتُوضح المصادر أن هذا النوع من التفاهمات قد يقوم على “تجميد جزئي” للأنشطة النووية مقابل تخفيف تدريجي للعقوبات، بما يسمح للطرفين تقديم تنازلات من دون كلفة سياسية داخلية مرتفعة، غير أن استدامة مثل هذا الترتيب ستبقى مرهونة بآليات التحقّق والالتزام، وهي نقاط لطالما شكّلت مصدر هشاشة في الاتفاقات السابقة.
في المقابل، لا يمكن استبعاد سيناريو الإخفاق، وخاصة إذا اصطدمت المفاوضات بقضايا “السيادة والرقابة الدولية”، أو إذا تعرّضت لضغوط سياسية داخلية في أي من البلدين، وحسب المصادر فإن فشل المسار التفاوضي قد لا يؤدي بالضرورة إلى حرب مباشرة، لكنه قد يفتح الباب أمام تصعيد غير مباشر يشمل العقوبات المشدّدة، أو المواجهات بالوكالة، أو التوتر في الممرّات البحرية الحيوية للطاقة.
وترى المصادر المتابعة أن إمكانية استئناف المواجهة العسكرية المباشرة، تبقى خياراً منخفض الاحتمال، لكنه غير مستبعد تماماً في حال انهيار كامل لقنوات التواصل ووقوع حادث أمني كبير، وفي هذه الحال، ستكون تداعياته واسعة النطاق، ليس فقط على مستوى الإقليم، بل على أسواق الطاقة والاستقرار الدولي.
ونتيجة لما تقدّم، لا يبدو أن المنطقة تتّجه نحو سلام نهائي أو حرب وشيكة، بل نحو مساحة رمادية من “إدارة التوتر”، وبين التفاؤل الحذر والتشاؤم المحسوب، تبقى النتيجة النهائية مرهونة بقدرة الأطراف على تحويل التفاهمات الأولية إلى التزامات قابلة للاستمرار، وهو اختبار لم يُحسم بعد.
الوطن – أسرة التحرير








