مصادر في وزارة الدفاع تنفي لـ “الوطن” تحليق طائرات حربية للجيش العربي السوري

الرئيس الشرع يستقبل المبعوث الأميركي توماس باراك في قصر الشعب ويبحث معه مستجدات الأوضاع في سوريا والمنطقة

قوات الاحتلال الإسرائيلي تنصب حاجز وتفتش المارة على طريق الأصبح _ مزرعة الفتيان جنوبي القنيطرة

المزيد

‫آخر الأخبار:‬

موازنة سوريا 2026: طموحات الثلاثة أضعاف في مواجهة فجوة الرواتب المتسعة

‫شارك على:‬
20

دخل الاقتصاد السوري عام 2026 بمنعطف مالي حاسم بعد كشف وزير المالية محمد يسر برنية ان الموازنة العامة الجديدة تحمل وعوداً بتغييرات هيكلية كبرى، وبينما لا تزال الأرقام النهائية قيد الصياغة.

تشير التقديرات الرسمية إلى نية الحكومة رفع قيمة الموازنة إلى نحو ثلاثة أضعاف سابقتها، لأهداف عدة منها محاولة ردم الهوة السحيقة بين القدرة الشرائية وتكاليف المعيشة التي بلغت مستويات غير مسبوقة.

فاتورة الرواتب

تُظهر القراءة التاريخية لبند الرواتب والأجور في الموازنات السورية الأخيرة تصاعداً رقمياً لافتاً؛ ورغم هذه الزيادات، بقيت الفجوة تتسع مع التضخم، ما جعل الأنظار تتجه اليوم إلى موازنة 2026 كحامل لآمال إصلاح الأجور.

وبحسب تصريحات سابقة، فإن الحكومة تتبنى مساراً متدرجاً بدأ بزيادات عامة وتلاها زيادات نوعية، على أن تكتمل المنظومة مع إقرار قانون الخدمة المدنية المرتقب، والذي يُفترض أن يؤسس لنظام أجور أكثر عدالة وكفاءة في القطاع العام.

استثمار حكومي وتحفيز خاص

لا تقتصر موازنة 2026 على الأرقام الصماء، بل تعكس تحولاً في الفلسفة المالية للدولة؛ فبعد عام اتسم بضعف الإنفاق الاستثماري، تتجه الحكومة اليوم لتعزيز دورها في القطاعات السيادية والخدمية (الصحة، التعليم، والحماية الاجتماعية).

تحدي التنفيذ والواقع المعيشي

يبقى التحدي الأكبر أمام موازنة 2026 هو الأثر الملموس، فبينما تتحدث الأرقام عن مضاعفة الموازنة لثلاث مرات، يراقب الشارع السوري مدى قدرة هذه المليارات على لجم التضخم وتحسين مستوى المعيشة فعلياً، فالانتقال من مرحلة “زيادات الرواتب الورقية” إلى مرحلة “القدرة الشرائية الحقيقية” هو الاختبار الحقيقي لقانون الخدمة المدنية وللسياسة المالية الجديدة في عامها المقبل.

الدكتور عبد الرحمن محمد أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد في جامعة حماة قال للوطن إن الفجوة البالغة 5.8 ملايين ليرة (كون أن الراتب لا يغطي سوى 17% من الاحتياجات الأساسية) تؤكد أن مجرد رفع الموازنة أو زيادة الرواتب بشكل عشوائي لن يحل المشكلة ما لم يكن جزءاً من حزمة إصلاحات شاملة وجذرية.

والحل من وجهة نظره تتطلب معالجة متكاملة على ثلاثة محاور رئيسة:

محور الإيرادات والسياسة المالية (سد الفجوة بين الإنفاق الحكومي والإيرادات) عبر إعادة هيكلة الدعم بشكل جذري فالدعم الحالي في سوريا (على الخبز والمحروقات بشكل أساسي) أصبح مكلفاً جداً وغير فعّال، ويذهب جزء كبير منه لغير مستحقيه، والحل يكمن في التحول التدريجي نحو الدعم النقدي المشروط الذي يذهب مباشرة إلى الأسر الأكثر احتياجاً عبر بطاقة إلكترونية ذكية وهذا الإجراء سيحرر مبالغ ضخمة في الموازنة يمكن توجيهها لزيادة الرواتب بشكل حقيقي ومستدام، بدلاً من أن تذهب أموال الموازنة لسد عجز الدعم العيني.

توسيع القاعدة الضريبية وتفعيل العدالة الضريبية:

يرى أستاذ الاقتصاد أنه وبدلاً من الاعتماد على ضرائب غير مباشرة تثقل كاهل المواطن محدود الدخل، يجب العمل على جباية الضرائب من الشركات الكبرى والمهن الحرة غير المسجلة (اقتصاد الظل)، وفرض ضرائب تصاعدية على الدخول المرتفعة والأرباح غير المشروعة وهذا من شأنه زيادة الإيرادات الحكومية دون زيادة الأعباء على الموظفين

وشدد محمد على ضرورة تحفيز الإنتاج المحلي لخفض الأسعار فالموازنة وحدها لا تستطيع خلق سلع رخيصة والشرط الأساسي لانخفاض الأسعار هو زيادة المعروض من السلع والخدمات اذ يجب تخصيص جزء كبير من الإنفاق الاستثماري الحكومي لدعم الصناعات الوطنية والزراعة، وتقديم حوافز ضريبية للمستثمرين المحليين والدوليين لخلق فرص عمل وزيادة الإنتاج، ما يخفض الأسعار تدريجياً.

إصلاح هيكل الأجور لا مجرد زيادته:

يرى محمد ضرورة ربط الرواتب بمؤشر غلاء المعيشة فلا يمكن الاستمرار بتحديد الرواتب بشكل مقطوع كل بضع سنوات في ظل تضخم جامح، والحل العلمي هو اعتماد آلية تلقائية (ربع سنوية أو نصف سنوية) لربط الحد الأدنى للأجور والرواتب بمؤشر أسعار المستهلك الذي تحتسبه هيئة الإحصاء، مع التأكيد على شفافية هذا المؤشر.

واكد ضرورة الإسراع في إقرار وتطبيق قانون الخدمة المدنية المرتقب فهذا القانون هو حجر الزاوية، ويجب أن ينتقل بنظام الأجور من “الزيادة الأفقية” للجميع إلى نظام “الأجر مقابل الإنتاجية والكفاءة”، أي أن يرتبط الراتب بوصف وظيفي واضح، ومؤهلات، وخبرة، وتقييم أداء سنوي صارم.

مضيفا: إن هذا سيخلق حافزاً للإتقان ويضمن أن الزيادات تذهب لمن يستحقها فعلاً وينتج أكثر.

الفصل بين الرواتب والدعم:

أوضح أستاذ الاقتصاد أنه من الأخطاء الكبرى خلط ملف الرواتب بملف الدعم، فسياسياً، من الأفضل أن يكون راتب الموظف واضحاً وكافياً ليعيش منه، وأن يكون الدعم أداة استثنائية للحماية الاجتماعية، لذلك، أي زيادة في الموازنة يجب أن تذهب أولاً لتحسين الرواتب الأساسية.

ضبط السوق وكبح التضخم:

أكد محمد ضرورة مكافحة الاحتكار والمضاربة إذ جزء كبير من غلاء الأسعار سببه احتكار المستوردين والتجار الكبار للسوق، والمضاربة على العملة الصعبة. لا يمكن لأي موازنة أن تنجح دون تدخل حكومي صارم لضبط الأسواق، عبر تفعيل قانون المنافسة ومنع الاحتكار، وتشديد الرقابة على التمويل والمصارف لمنع تمويل المضاربات.

وشدد على ضرورة استقرار سعر الصرف فالمواطن السوري لا يتعامل بالدولار، لكن سعر صرف الليرة أمام الدولار يحدد سعر كل سلعة مستوردة أو مرتبطة بالمستوردات، فيجب تخصيص موارد الموازنة لدعم الإنتاج المحلي البديل عن الاستيراد، ما يقلل الطلب على القطع الأجنبي ويساهم في استقرار السعر، وهو أساس أي تحسن في القوة الشرائية.

ولفت محمد إلى أن موازنة عام 2026 تمثل نقطة تحول محتملة، لكنها تحمل في طياتها مخاطر كبيرة بقدر ما تحمل من آمال. الطموح بمضاعفة الموازنة ثلاث مرات يعكس إدراكاً متأخراً ولكن ضرورياً لحجم الكارثة المعيشية، إلا أن الأرقام الكبيرة وحدها لا تصنع المعجزات.

ويرى أن الاختبار الحقيقي لهذه الموازنة لن يكون في حجم اعتماداتها، بل في ثلاث قدرات أساسية هي قدرة الحكومة على تمويل هذه الموازنة من مصادر حقيقية ومستدامة (ضرائب عادلة، وترشيد دعم، وإيرادات من الثروات الوطنية)، دون اللجوء إلى طباعة النقود التي ستخلق تضخماً يلتهم أي زيادة في الرواتب، و قدرة الحكومة على تحويل الإنفاق الجاري (الرواتب) إلى إنفاق منتج عبر قانون الخدمة المدنية الجديد، لكسر العلاقة الطردية التاريخية بين زيادة الرواتب وزيادة التضخم، وقدرة الحكومة على توفير بيئة اقتصادية كلية مستقرة، وفي مقدمتها كبح جماح التضخم واستقرار سعر الصرف، لأن الموازنة مهما كبرت ستبقى عاجزة أمام انهيار العملة..

وختم بالقول: بصراحة عقدة الرواتب التاريخية في سوريا لن تحل بمجرد زيادة بند “الرواتب والأجور” في الموازنة، مهما كان حجم الزيادة فالحل يكمن في إعادة هيكلة الاقتصاد السوري بأكمله ليتحول من اقتصاد ريعي يعتمد على الدعم والاستيراد، إلى اقتصاد منتج يعتمد على العمل والكفاءة والإنتاج. موازنة 2026 يجب أن تكون البوابة الأولى لهذا التحول، وليست مجرد جرعة أوكسجين مؤقتة تطيل أمد الأزمة دون حل جذري، فإذا نجحت في توجيه الموارد نحو دعم الإنتاج، وضبط السوق، وربط الأجر بالإنتاجية، فإنها قد تكون بداية الطريق الصحيح، أما إذا بقيت مجرد أداة لزيادة الروتين والإنفاق الاستهلاكي، فستتحول إلى عبء جديد يزيد من تضخم الموازنة دون أن يلمس المواطن السوري أي تحسن حقيقي في قدرته الشرائية. إنها لحظة اختراق أو انهيار.