على الرغم من الهدوء النسبي الذي سجّلته أمواج مضيق “هرمز” اليوم الأحد، إلا أنه لا يمكن بناء مستقبل المنطقة، والعلاقة الحالية بين واشنطن وطهران على ما يطفو على سطح “هرمز”، إذ إن المشهد في المضيق لا يوحي حتى الآن بتحوّل حقيقي نحو التهدئة بقدر ما يعكس حالة من إعادة التموضع السياسي والعسكري بين الأطراف المعنية، ولا يمكن قراءته بمعزل عن استمرار الخطاب الإيراني المتشدّد، وهو ما يشير إلى أن خفض وتيرة الهجمات لا يعني بالضرورة تراجع مستوى التوتر الاستراتيجي.
في هذا السياق، فإن توجيهات المرشد الإيراني مجتبى خامنئي لرئيس القيادة الموحّدة للقوّات المسلحة الإيرانية علي عبداللهي، بمواصلة العمليات ومواجهة “الخصوم بحزم”، تكشف أن طهران لا تريد السماح بتفسير التهدئة المؤقتة، باعتبارها استجابة للضغوط الدولية أو مؤشراً إلى تراجع قدرتها على فرض معادلات الردع، وفي الوقت نفسه، يبدو أن القيادة الإيرانية تحاول الحفاظ على مساحة سياسية تسمح لها بإدارة التصعيد من دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة قد تفرض عليها أثماناً إقليمية واقتصادية مرتفعة.
وفي قراءة بسيطة لتوجيهات مجتبى خامنئي السابقة، يمكن ملاحظة حملها رسالة مزدوجة،.سواء على الصعيد الداخلي، لجهة تأكيد سيطرة القيادة على الجيش والقوى المسلحة، أم على الصعيد الخارجي، وتوجيه تحذير ضمني للخصوم من استغلال أي لحظة هدوء للضغط على إيران أو اختبار ردود أفعالها.

الهدوء الحالي في مضيق “هرمز” قد يكون فرصة لدبلوماسية حذرة، لكنه يحمل أيضاً احتمالين، الأول بأن يكون مجرد “صمت قبل العاصفة”، وخصوصاً في ظل استمرار التصريحات المتشدّدة من القيادة الإيرانية، الأمر الذي يتطلب من واشنطن والمجتمع الدولي قراءة دقيقة للمشهد، وتجنّب الافتراضات المطمئنة، والاحتمال الثاني تحرّك الصراع أكثر في إطار “إدارة الرسائل” منه في إطار المواجهة المباشرة، بمعنى أن كل طرف يسعى إلى تثبيت صورة القوة والقدرة على الرد من دون الوصول إلى نقطة الانفجار الشامل، وعليه فإن الهدوء القائم يمكن فهمه باعتباره جزءاً من تكتيك مرحلي لإعادة ترتيب الحسابات، وليس بالضرورة مقدّمة لتسوية مستقرة.
وفي عمق المشهد، يظل مضيق “هرمز” مؤشراً دقيقاً على توازن القوى في المنطقة، حيث يمكن لأي تحرّك صغير أن يغير الصورة برمتها، ولهذا فإن استقرار الملاحة في المضيق لا يرتبط فقط بالأمن الإقليمي، بل بتوازنات الاقتصاد العالمي أيضاً، الأمر الذي تدركه الولايات المتحدة جيّداً، وهو ما يفسّر استمرار الحذر الأميركي في التعامل مع التطورات الأخيرة، فالإدارة الأميركية تبدو معنية بمنع التصعيد بقدر اهتمامها بعدم منح إيران فرصة لترسيخ معادلة ضغط جديدة قائمة على تهديد خطوط الطاقة الدولية.
الوطن – أسرة التحرير








