إن دخول استثمارات إقليمية بوزن دولة الإمارات لا يضيف قيمة مادية فقط، بل يرسل “إشارة ثقة” قوية للمجتمع الاستثماري العربي والدولي، ما يمهد الطريق لإعادة دمج الاقتصاد السوري في المنظومة الإقليمية.
إن التحدي الحقيقي يكمن في بناء حاضنة اقتصادية تجعل المستثمر يطمح للبقاء والتوسع، فالنجاح يفتح الأبواب أمام حركات اقتصادية عابرة للقطاعات. ولذلك، فإن فعاليات مثل “المنتدى السوري الإماراتي” لا ينبغي التعامل معها كأحداث عابرة، بل كاختبار حقيقي لقدرة البلاد على الانتقال من “اقتصاد الانتظار” إلى اقتصاد الشراكات والإنتاج، فالدول تُقيم بقدرتها على تحويل الثقة إلى مشاريع ملموسة تؤسس لاستقرار طويل الأمد.
أستاذ إدارة الأعمال في جامعة حلب الدكتور خليل حمدان أوضح للوطن أن الاقتصادات التي تعبر أزمات طويلة الأمد لا يمكنها الاكتفاء بمجرد الحديث عن تحسن المؤشرات أو التعافي النظري، إذ تكمن الحقيقة الاقتصادية في القدرة الفعلية على استعادة زخم الحركة والإنتاج وخلق فرص العمل، وبناء جسور الثقة داخل الأسواق.

وقال: من هذا المنطلق، تتجاوز أهمية الاستثمار في سوريا اليوم فكرة ضخ السيولة أو تدشين مشاريع معزولة، لتصبح المهمة الجوهرية هي إعادة تشغيل الدورة الاقتصادية بكامل مفاصلها، انطلاقاً من خطوط الإنتاج والتشغيل وصولاً إلى تحريك الخدمات وسلاسل التوريد.
ولفت إلى أن الاقتصاد المنهك لا يحتاج للمال فحسب، بل يتطلب محركاً يعيد إليه الحركة، حيث يولد الاستثمار آثاراً متسلسلة تمتد لتشمل النقل والتجارة والتمويل والعقارات، وهو ما تفتقر إليه المرحلة الراهنة بشدة، وخاصة مع تقديرات دولية تشير إلى أن احتياجات إعادة الإعمار تتجاوز مئات المليارات، ما يضع الاستثمارات الخارجية كمفتاح أساس لتنشيط الاقتصاد، شريطة توافر بيئة قادرة على استيعاب هذا الاستثمار وتحويله لخدمة النمو المستدام.
النموذج الإماراتي وتصدير الخبرة الإدارية
لا تنحصر أهمية دخول المستثمر الإماراتي في حجم رأس المال المقدم، بل تكمن في جوهر التجربة الاقتصادية الرائدة التي صاغتها دولة الإمارات، والتي لم ترتهن للموارد التقليدية، بل شيدت نموذجاً قائماً على المرونة الإدارية، وسرعة القرار، وتطوير البنية اللوجستية والتحول الرقمي، ما جعلها مركزاً مالياً وتجارياً عالمياً.
ونوه بنجاح الشركات الإماراتية في بناء سجل حافل من المشاريع الضخمة في قطاعات الموانئ والطاقة والتطوير الحضري، ما أكسبها خبرة في التعامل مع الأسواق المتغيرة بعقلية استراتيجية تبتعد عن “الربح السريع” وتركز على المشاريع الطويلة الأجل، لذا، فإن هذا الوجود في السوق السورية يمثل انتقالاً للخبرات التنظيمية والتشغيلية التي يحتاجها الواقع السوري في مرحلة إعادة البناء المؤسسي.
مكامن القوة وتحديات الهيكلة الإدارية
يرى حمدان انه رغم القسوة التي تفرضها الظروف الراهنة، لا تزال سوريا تمتلك مقومات استثمارية وازنة، تتجسد في الموقع الجغرافي الاستراتيجي، والقاعدة الاستهلاكية الواسعة، والاحتياجات الضخمة في قطاعات حيوية كالنقل والتعليم والتكنولوجيا، إلى جانب تكاليف استثمارية تنافسية مقارنة بدول الجوار.
وبما أن الأسواق التي تمر بمرحلة إعادة التشكل غالباً ما تحمل فرصاً نمو مرتفعة نتيجة محدودية العرض، فإن السوق السورية تبقى وجهة واعدة.
مضيفا: مع ذلك، تبقى التحديات البيروقراطية وتعقيد الإجراءات الإدارية، وبطء التشريعات الاقتصادية، وضعف البنية المصرفية والرقمية، حواجز حقيقية أمام تحويل هذه الفرص إلى أعمال مستقرة، فالاستثمار في جوهره لا يبحث عن الفرصة المجردة، بل عن البيئة التي تضمن نموها واستمرارها.
لغة الأرقام وتحصين بيئة الأعمال
يشير أستاذ إدارة الأعمال إلى أنه في عالم المال والأعمال، لا يتحرك رأس المال مدفوعاً بالعواطف أو الوعود، بل يستند إلى وضوح الرؤية التشريعية والإدارية، معتبراً أنه قد يتغاضى المستثمر عن نقص في البنى التحتية، لكنه لا يقبل غياب الوضوح في القرار الاقتصادي.
وأكد حمدان أن نجاح أي بيئة استثمارية يتطلب تشريعات مستقرة، وسرعة في الإنجاز، وشفافية مطلقة، وحماية قانونية، ونظاماً مصرفياً فعالاً، فالمنافسة اليوم لم تعد تنحصر بين الدول فحسب، بل باتت تدور حول جودة البيئات التنظيمية والمؤسساتية القادرة على حل المشكلات بكفاءة، وكلما نجحت سوريا في تطوير هذه المنظومة، زادت قدرتها على جذب استثمارات مستدامة بعيداً عن التردد.
رسائل الثقة واختبار التحول الجذري
يرى حمدان أن دخول استثمارات إقليمية بوزن دولة الإمارات لا يضيف قيمة مادية فقط، بل يرسل “إشارة ثقة” قوية للمجتمع الاستثماري العربي والدولي، ما يمهد الطريق لإعادة دمج الاقتصاد السوري في المنظومة الإقليمية، وإن التحدي الحقيقي يكمن في بناء حاضنة اقتصادية تجعل المستثمر يطمح للبقاء والتوسع، فالنجاح يفتح الأبواب أمام حركات اقتصادية عابرة
للقطاعات. وقال: لذلك، فإن فعاليات مثل “المنتدى السوري الإماراتي” لا ينبغي التعامل معها كأحداث عابرة، بل كاختبار حقيقي لقدرة البلاد على الانتقال من “اقتصاد الانتظار” إلى اقتصاد الشراكات والإنتاج، فالدول تُقيم بقدرتها على تحويل الثقة إلى مشاريع ملموسة تؤسس لاستقرار طويل الأمد.








