شكّلت الثورة السورية منذ انطلاقتها عام 2011 لحظة مفصلية في تاريخ شعب أطلق صرخته الأولى بحثاً عن الوجود والحرية والكرامة، فخرجت تلك الصرخة من صدور أنهكها الصمت، فكانت أشبه بولادة جديدة.
ولم تكن الكلمات التي رُفعت في الشوارع مجرد شعارات، بل كانت تعبيراً صادقاً عن توقٍ طويل إلى الحرية، ورغبةٍ في استعادة الصوت المسلوب، في تعبير راسخ بأن الحرية حق أصيل لا يمكن التنازل عنه مهما كان الثمن، إذ خرج السوريون إلى الشارع للتعبير عن ذواتهم وهوياتهم، فتحوّلت الساحات العامة إلى فضاءات مفتوحة للإبداع الثقافي، حيث ظهرت أشكال جديدة من التعبير، مثل الأغاني الثورية، والجداريات، والشعارات التي حملت مضامين سياسية وثقافية في آنٍ معاً.
وعكست هذه اللافتات وعياً جمعياً وقدرة على مخاطبة العالم بلغة بسيطة ومؤثرة في آنٍ معاً، وقد برزت بشكل لافت مدينة “كفرنبل” في ريف إدلب، حيث تحولت إلى أيقونة ثورية ثقافية جمعية، حيث أبدع ناشطوها في صياغة شعارات ذكية، غالباً ما كُتبت باللغتين العربية والإنكليزية، ما أتاح لها الوصول إلى نطاق عالمي واسع.
وقد تميّزت لافتات “كفرنبل” بروحها الساخرة التي لم تُخفف من جدّية الرسالة، بل زادتها تأثيراً، إذ كانت تنتقد الواقع السياسي المحلي والدولي بأسلوب لاذع ومبتكر، كما عكست قدرة لافتة على التفاعل مع الأحداث الجارية، فكانت أشبه بتعليق حيّ على تطورات المشهد، تُنتج أسبوعياً بروح إبداعية متجددة، فأعادت تعريف دور الكلمة والصورة في الفعل الثوري، وأسهمت في تشكيل ذاكرة بصرية جماعية لا تزال حاضرة في الوجدان السوري، منذ مظاهرتها الأول في الجمعة الأولى من نيسان عام 2011.
ومن الأمثلة لافتة كتب عليها: نعتذر للعالم عن إزعاجه بثورتنا”، في سخرية مريرة من صمت المجتمع الدولي تجاه جرائم الأسد، وأخرى تقول: “نحن نموت وأنتم تشاهدون”، موجهة مباشرة إلى الرأي العام العالمي، كما رفع أهالي “كفرنبل” لافتة “الثورة مستمرة رغم أنف الطغاة”، تأكيداً على الاستمرار رغم القمع.
وجاءت عبارة: “أنا درزي وعلوي وسني وكردي وسمعولي ومسيحي.. يهودي وآشوري.. أنا الثائر السوري وأفتخر”، لتعبّر عن رؤية ثقافية وسياسية للهوية السورية بوصفها هوية جامعة ومتعددة في آنٍ واحد، في رد مباشر على من سعى لتأجيج الانقسامات الطائفية والإثنية.






