في خطوة وصفت بالتاريخية، أعلن مجلس الوزراء اللبناني السبت الماضي قراراً بحظر أي نشاطات عسكرية وأمنية لحزب الله داخل لبنان، مؤكداً أن أي عمل خارج نطاق الدولة هو غير قانوني ويهدد الأمن الوطني، وهو القرار الذي يأتي بعد عقود من تدخلات الحزب المسلحة وانتهاكاته المتكررة داخل لبنان وخارجها.
إذ لم يعد اسم ميليشيا حزب الله مرتبطاً بالصورة التي حاولت تسويقها منذ ثمانينيات القرن الماضي تحت شعار “المقاومة”، فخلال العقود الأربعة الماضية، تحول التنظيم تدريجياً من حركة مسلحة نشأت في ظروف الحرب الأهلية اللبنانية والاجتياح الإسرائيلي عام 1982 إلى ميليشيا عسكرية عابرة للحدود تعمل ضمن مشروع إقليمي تقوده إيران، وتشارك في صراعات داخلية في عدد من الدول العربية، تاركةً خلفها سجلاً ثقيلاً من الانتهاكات والمجازر.
وتعود نشأة الحزب إلى أوائل ثمانينيات القرن العشرين حين أرسل الحرس الثوري الإيراني مئات العناصر إلى سهل البقاع اللبناني لتدريب مجموعات مسلحة تبنت عقيدة “ولاية الفقيه”، وفي عام 1985 أعلن الحزب رسمياً عن نفسه عبر ما سُمي “الرسالة المفتوحة”، التي حدد فيها ولاءه السياسي والديني لقيادة إيران، إلى جانب إقامة “نظام إسلامي” في لبنان، ومنذ ذلك الوقت، ظل الارتباط بين الحزب وطهران أحد أبرز ملامح هويته السياسية والعسكرية.

وخلال سنواته الأولى ارتبط اسم الحزب في لبنان بسلسلة من العمليات المسلحة والتفجيرات، كما ارتبط اسمه خلال الثمانينيات بموجة خطف استهدفت صحفيين ودبلوماسيين غربيين في لبنان، وهي أحداث شكلت بداية صورة الحزب كتنظيم مسلح يعمل خارج إطار الدولة، لكن التحول الأكبر بدأ بعد نهاية الحرب الأهلية اللبنانية 1990، حين جرى نزع سلاح معظم القوى، بينما احتفظ حزب الله بترسانته العسكرية تحت شعار “مقاومة الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب”، ليهيمن مع مرور الوقت وبدعم مباشر من نظام “الأسد” البائد على الدولة اللبنانية، ويحتفظ بجيش مستقل وشبكة مؤسسات اقتصادية واجتماعية واسعة.
هذا الواقع جعل الحزب، وفق كثير من الدراسات السياسية، أقرب إلى نموذج “الدولة داخل الدولة”، وهو ما انعكس في الساحة الداخلية في لبنان، ولاسيما أحداث السابع من أيار 2008 عندما سيطر مسلحو الحزب على أجزاء واسعة من بيروت بعد قرار حكومي يتعلق بشبكة اتصالاته الخاصة، فضلاً عن تنفيذه اغتيالات وتصفيات بحق السياسيين والمسؤولين اللبنانيين المعارضين لنهجه كما حصل مع اغتيال رئيس وزراء لبنان رفيق الحريري 2005 بتفجير إرهابي كبير وسط بيروت، وأيضاً اغتيال رئيس فرع المعلومات في قوى الأمن اللبناني اللواء وسام الحسن، إضافة إلى اغتيال شخصيات عدة كثيرة.
غير أن التحول الأكثر خطورة في تاريخ الحزب جاء مع اندلاع الثورة السورية 2011، إذ أصبح مقاتلو الحزب جزءاً أساسياً من العمليات العسكرية التي خاضتها قوات النظام البائد بحق الشعب السوري مرتكباً مجازر رهيبة في عدة محافظات سورية، ولاسيما في مدن القصير والزبداني ويبرود والحولة وأحياء حمص، التي شهدت ذبح الأطفال والنساء بالسكاكين وتوثيق هذه الانتهاكات عبر منصات التواصل.
كما ارتبط اسم الحزب بحصار مدن الزبداني ومضايا وداريا والغوطة الشرقية في ريف دمشق بين عامي 2015 و2016، حيث فُرض حصار طويل أدى إلى انتشار المجاعة وسوء التغذية بين المدنيين، وقد وثقت منظمات دولية حالات وفاة بسبب الجوع ونقص الدواء، في مشهد اعتبره كثيرون أحد أكثر فصول الثورة السورية قسوة، إضافة إلى ممارسته عمليات تهجير قسري لسكان بعض القرى، وتدميره منازل وممتلكات السوريين عقب السيطرة عليها، بهدف التغيير الديمغرافي.
ولم تقتصر جرائم ميليشيا حزب الله على السوريين وحدهم، إذ طالت أيضاً الفلسطينيين الذين يعيشون في المخيمات داخل سوريا، فقد تعرض مخيم اليرموك أكبر تجمع للفلسطينيين في البلاد لحصار طويل أدى إلى كارثة إنسانية واسعة النطاق، وهو ما حصل أيضاً مع مخيمات الفلسطينيين في حلب.
كل هذه الوقائع جعلت اسم الحزب يرتبط بسجل طويل من المجازر والانتهاكات الجسيمة خلال الثورة السورية، أبرزها القتل الميداني والطائفي والحصار والتجويع والتهجير القسري والاعتقال التعسفي بدعم مباشر من قوات النظام البائد، وهي انتهاكات وثقتها منظمات حقوقية دولية مثل الشبكة السورية لحقوق الإنسان وهيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية.
وهكذا، فإن المسار الذي سلكته ميليشيا حزب الله منذ تأسيسها يكشف تحولاً عميقاً في طبيعة هذا التنظيم الإرهابي ودوره التخريبي، فمن تنظيم مسلح نشأ في سياق الاحتلال الإسرائيلي للبنان، إلى ميليشيا إقليمية تشارك في حروب خارج الحدود تحت شعارات دينية تارة أو قومية تارة أخرى، ومع صدور قرار مجلس الوزراء اللبناني بحظر أنشطة الحزب العسكرية والأمنية داخل البلاد، يبدو أن لبنان يحاول اليوم وضع حد للنفوذ المسلح الخارج عن سلطة الدولة، في خطوة تعكس إدراكاً واضحاً للخطر الذي يمثله استمرار هذه الميليشيا على استقرار الدولة والنسيج الاجتماعي، سواء في لبنان أو في البلدان العربية المجاورة.








