بدت كلمة الرئيس أحمد الشرع أمام الدورة التاسعة والسبعين لجمعية الصحة العالمية إعلاناً هادئاً عن ملامح سوريا التي تريد العودة إلى العالم من بوابة “الإنسان”، عبر خطاب حمل رسائل سياسية واضحة تعكس طبيعة المقاربة السورية الجديدة.
فالحديث عن “الأمن الصحي الإقليمي والعالمي” لم يكن تفصيلاً لغوياً عابراً، بل مؤشراً إلى إدراك دمشق للتحوّلات التي يشهدها العالم بعد جائحة كورونا، حيث لم تعد الصحة ملفاً خدمياً منفصلاً، بل أصبحت جزءاً من مفاهيم الأمن القومي والاستقرار الدولي.
ومن هنا جاء الربط بين التعافي الصحي وإعادة الإعمار والاستقرار المجتمعي، في رسالة سياسية مفادها أن سوريا تسعى إلى العودة للمجتمع الدولي عبر ملفّات التعاون الإنساني والتنمية المستدامة.

واللافت في كلمة الرئيس الشرع أنه ابتعد عن لغة المظلومية السياسية التقليدية، وركّز بدلاً من ذلك على مفردات مثل “الشراكات” و”الاستدامة” و”الكفاءات الوطنية” و”إعادة البناء”، وهي مفردات تعكس توجّهاً سياسياً يسعى إلى تقديم سوريا باعتبارها شريكاً قادراً على المساهمة في صياغة الحلول الإقليمية، لا مجرد دولة تنتظر الدعم أو المساعدات.
وفي عالم الطب، غالباً ما يكون التشخيص الدقيق نصف العلاج، كذلك يبدو أن دمشق تدرك أن العالم المتعب من الحروب بات أكثر ميلاً لدعم مشاريع الاستقرار والتعافي الاقتصادي والإنساني، بدلاً من الانخراط في صراعات مفتوحة طويلة الأمد.
لذلك حملت الكلمة تركيزاً واضحاً على إعادة تأهيل القطاع الصحي، وتوطين الصناعات الدوائية، وتعزيز نظم المعلومات الصحية، باعتبارها ملفات قادرة على جذب التعاون الدولي بعيداً عن التجاذبات السياسية التقليدية.
كما أن إعلان الالتزام بطي صفحة المخيّمات بحلول عام 2027 يحمل بعداً سياسياً يتجاوز الجانب الإنساني، لأنه يعكس رغبة الدولة في الانتقال من مرحلة إدارة تداعيات الحرب إلى مرحلة إعادة بناء المجتمع والدولة معاً، فعودة السكان واستقرارهم شكّلا عبر التاريخ أول مؤشرات استعادة الدول لعافيتها السياسية والاجتماعية، ولذلك قيل قديماً: “العمران روح الأوطان”.
وفي هذا السياق، تحاول سوريا الاستفادة من المتغيّرات التي تشهدها المنطقة، ولاسيما تنامي الاهتمام الدولي بقضايا المناخ والصحة والهجرة، وهي ملفات باتت مترابطة ضمن المفهوم الحديث للأمن العالمي، ولهذا جاء الربط السوري بين الصحة والتغيّر المناخي والاستقرار الإنساني، في محاولة لوضع سوريا داخل النقاشات الدولية الجديدة المرتبطة بالتنمية المستدامة والأمن البيئي.
كذلك حملت الإشارة إلى الكفاءات السورية في الخارج دلالة سياسية مهمة، تعكس توجّهاً للاستفادة من الطاقات البشرية السورية بوصفها جزءاً من مشروع التعافي الوطني، وليس مجرد ملف اغتراب أو هجرة.
إذ إن مرحلة إعادة البناء لا تحتاج إلى الأموال فقط، بل إلى استعادة الخبرات والمؤسسات والثقة أيضاً، وهو ما يجعل دمشق تراهن على أن التعافي الصحي والإنساني قد يكون أحد أكثر الأبواب واقعية لعودتها التدريجية إلى قلب المشهد الإقليمي والدولي.
الوطن – أسرة التحرير








