الوطن – أسرة التحرير:
لم تكد حكومة رئيس الوزراء البريطاني “كير ستارمر” تلتقط أنفاسها بعد الضربة السياسية القاسية التي تلقاها حزب العمال في الانتخابات المحلية الأخيرة، حتى انفجر خلاف جديد مع الاتحاد الأوروبي حول مستقبل العلاقات التجارية، ليكشف مجدداً أن “بريكست” (انفصال بريطانيا عن الاتحاد) لم يتحول إلى ملف من الماضي، بل لا يزال عبئاً ثقيلاً يضغط على الاقتصاد والسياسة والاستقرار الداخلي في بريطانيا.
الخلاف الأخير، الذي تفجّر عقب طرح لندن فكرة إنشاء سوق موحدة للسلع مع الاتحاد الأوروبي، وفق صحيفة “الغارديان”، يعكس حجم المأزق الذي تعيشه الحكومة البريطانية، فالمقترح الذي سعت من خلاله حكومة “ستارمر” إلى تخفيف القيود التجارية واستعادة جزء من الانسيابية الاقتصادية مع القارة الأوروبية، قوبل برفض أوروبي واضح، انطلاقاً من خشية بروكسل من منح بريطانيا امتيازات لا تحظى بها حتى بعض الدول الأعضاء.

هذا الرفض الأوروبي لا يحمل أبعاداً اقتصادية فحسب، بل يضع حكومة “ستارمر” في زاوية سياسية حرجة داخلياً، فالرجل الذي وصل إلى السلطة واعداً بإعادة الاستقرار وتحسين الأداء الاقتصادي، يجد نفسه اليوم أمام اقتصاد بطيء النمو، وتراجع في ثقة الشارع، واحتقان سياسي متصاعد، بينما تبدو حكومته غير قادرة على إيجاد صيغة متوازنة بين الحفاظ على إرث “بريكست” وضرورات إعادة الارتباط الاقتصادي بأوروبا.
وتأتي الأزمة الجديدة في توقيت شديد الحساسية بالنسبة لحزب العمال، بعدما أظهرت نتائج الانتخابات المحلية تراجعاً مؤلماً في شعبية الحزب، ليس فقط لمصلحة المحافظين، بل أيضاً لصالح قوى سياسية صاعدة بدأت تستثمر حالة السخط الشعبي المتزايد تجاه الطبقة السياسية التقليدية، فحزب الإصلاح البريطاني، إلى جانب حزب الخضر، يواصلان تحقيق ما يمكن وصفه باختراقات تدريجية تعكس تحوّلاً عميقاً في المزاج السياسي البريطاني، وتآكلاً متسارعاً في هيمنة الثنائية الحزبية التي حكمت البلاد لعقود طويلة.
ويبدو أن قطاعات واسعة من البريطانيين، وفق ما يرى محللون سياسيون، باتت تنظر إلى حزبي العمال والمحافظين باعتبارهما عاجزين عن معالجة الأزمات المتراكمة، سواء تعلق الأمر بتكاليف المعيشة، أم تراجع الخدمات العامة، أو أزمة الهجرة، أو تداعيات الخروج من الاتحاد الأوروبي، وفي ظل هذه الصورة القاتمة، تتحول أي مواجهة جديدة مع بروكسل إلى عامل إضافي يفاقم شعور الشارع بأن البلاد دخلت مرحلة من التخبط السياسي والاقتصادي المزمن.
والأخطر بالنسبة لحكومة “ستارمر”، حسب المحللين، أن ملف العلاقة مع أوروبا بات أشبه بـ “حقل ألغام سياسي”، فأي تنازل كبير لبروكسل قد يثير غضب مؤيدي “بريكست”، فيما يؤدي التشدد في المقابل إلى تعميق الأضرار الاقتصادية، وبين هذين الخيارين، تبدو الحكومة البريطانية عالقة في مأزق مركّب يزيد الطين بلة، ويفتح الباب أمام مرحلة أكثر اضطراباً قد تعيد رسم المشهد السياسي البريطاني بالكامل بحلول انتخابات 2030.








