الوطن- أسرة التحرير
يقول أهل الريف إن النهر مثل الإنسان؛ يهدأ فترات طويلة ثم يغضب يوماً ليذكر الجميع بقوته، ونهر الفرات الذي عرفه أهل الجزيرة أباً للسنابل ورفيقاً للقمح والشعير، يستطيع في بعض المواسم أن يرفع صوته فجأة، ليذكر البشر بما أهملوه من جسور وسدود وبنية تحتية ومشاريع مؤجلة منذ عقود.
لكن الفرات هذه المرة لم يختبر فقط قدرة السواتر الترابية على صد المياه، بل اختبر أيضاً قدرة الدولة السورية الجديدة على مواجهة أول امتحان وطني كبير في منطقة دفعت ثمناً باهظاً من التهميش والحروب والإهمال.

وعندما ارتفعت المياه وبدأت الجسور الترابية تتآكل، لم يكن السؤال في دير الزور: كم ارتفع النهر؟ بل: هل ستأتي الدولة؟
لأكثر من ستة عقود، كانت دير الزور بالنسبة للنظام البائد و”قسد” خزان قمح ونفط وثروات، لكنها نادراً ما كانت تحظى بمكانتها السياسية والوطنية التي تستحقها، كانت الأرض تعطي والناس يصبرون والفرات يروي، فيما التنمية الحقيقية معدومة أو تسير ببطء السلحفاة.
من هنا، حملت زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى دير الزور دلالات تجاوزت حدود متابعة تداعيات الفيضان، فكانت الرسالة واضحة أن دير الزور ليست هامشاً في خريطة سوريا، بل أحد قلوبها النابضة، وأن ما يصيب الفرات ليس شأناً محلياً يخص أبناء المنطقة وحدهم، بل كارثة وطنية تستدعي استنفار الدولة كلها، أما الرسالة الأهم، فكانت أن إعادة إعمار دير الزور ليست منّة من أحد، بل دين ووفاء لمحافظة وقفت في أصعب اللحظات وقدمت من التضحيات ما جعل اسمها جزءاً من ذاكرة السوريين جميعاً.
وفي العرف العشائري، حين يخلع الرجل بشته أو جاكيته أمام قوم ما، فإنه يقدم أعلى درجات الاحترام والاعتذار والاعتراف بثقل الموقف، وفي ذلك قرأ كثيرون زيارة الرئيس الشرع باعتبارها امتداداً لهذه الثقافة السورية الأصيلة التي ترى أن السياسة ليست إدارة ملفات فحسب، بل أخلاق أيضاً.
وفي الريف السوري أيضاً، يعرف الفلاح أن الأرض لا تكافئ من يزورها عند الحصاد فقط، بل من يقف معها في موسم الجفاف والبرد والفيضانات، ولهذا بدا مشهد وصول الرئيس على رأس وفد وزاري كبير إلى دير الزور مختلفاً عن المشاهد التي اعتادها السوريون لعقود طويلة، وزراء قطعوا زياراتهم الخارجية، غرف عمليات تعمل على مدار الساعة، مؤسسات استنفرت كوادرها، جيش يرفع السواتر وينقل الأهالي، ووزارة دفاع تعتبر حماية الناس جزءاً من مهمتها الوطنية.
ولعل أكثر الصور رمزية كانت صورة القوى البحرية السورية وهي تنقل القوارب والزوارق إلى دير الزور، هنا يستعيد السوريون مفارقة موجعة ومعبرة في آن واحد، ففي زمن النظام البائد ارتبط اسم القوات البحرية لدى كثيرين بقصف حي الرمل الجنوبي في اللاذقية عندما خرج أهله متضامنين مع درعا وحمص، أما اليوم فإن الزوارق نفسها تتحرك لإنقاذ الناس ونقل المرضى وتأمين العبور بين ضفتي الفرات، إنه الفرق بين مؤسسة كانت تُستدعى لمعاقبة السوريين، وأخرى تحاول أن تكون في خدمتهم.
لكن الحكاية لم تكن حكاية حكومة فقط، بل حكاية شعب أيضاً، فمن الحسكة إلى حماة، ومن الشدادي إلى جبل عبد العزيز، ارتفعت أصوات الفزعة والنخوة، ولم يكن المقصود صدقة لأهل دير الزور، فالدير التي أطعمت سوريا لعقود لا تحتاج شفقة أحد، وإنما كانت رسالة أخوة تقول إن السوريين ما زالوا يعرفون معنى الوقوف مع بعضهم ساعة الشدة.
ورغم أن فيضان الفرات كشف هشاشة البنية التحتية، وكشف أن الجزيرة السورية ما زالت تدفع ثمن عقود طويلة من الإهمال والتهميش، لكن هذه الكارثة كشفت في المقابل أن الدولة عندما تكون حاضرة بين الناس وتتحرك مؤسساتها كلها من أجل مواطنيها، تتحول الكارثة إلى فرصة لإعادة بناء الثقة.
وبين مياه الفرات المرتفعة وسواعد الرجال الممتدة للمساعدة، ولد مشهد سوري جديد يقول إن المحافظة التي ظلت طويلاً على أطراف الإهمال عادت إلى قلب الوطن، وأن دير الزور المنكوبة قد تكون متعبة، لكنها ليست مكسورة، وأن الفرات مهما علا ماؤه لن يكون أعلى من نخوة السوريين ولا من إرادتهم في بناء ما هدمته سنوات طويلة من التهميش.








